
المغرب يعيد هيكلة الأمن السيبراني لمواجهة التهديدات الرقمية
منذ تعيين جلالة الملك محمد السادس في فاتح سبتمبر 2025 للجنرال دو بريكاد عبد الله بوتريك على رأس مديرية أمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني، دخل المغرب مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة الشاملة لمنظومته الوطنية في مجال الأمن السيبراني. لم يكن هذا التعيين مجرد تغيير إداري، بل إشارة واضحة إلى أن الرباط قررت رفع مستوى الدفاع الرقمي إلى مرتبة أولوية أمن قومي في ظل تصاعد التهديدات الإلكترونية المتطورة. وبعد ستة أشهر فقط، بدأت ملامح الاستراتيجية الجديدة تتبلور بشكل ملموس، كما كشف تقرير حديث لموقع أفريكا أنتلجنس، الذي أشار إلى أن الفريق المشرف على هذا الورش يضم شخصيات وازنة قريبة من دوائر القرار، مما يعطي دفعاً قوياً لتنفيذ الرؤية الملكية في تعزيز الحماية الرقمية للمملكة.
التهديدات المتزايدة تدفع المغرب لتسريع الإصلاحات
شهدت المؤسسات الوطنية خلال السنتين الأخيرتين موجة غير مسبوقة من الهجمات الإلكترونية، كان أبرزها:
- اختراق معطيات منخرطي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الذي أثر على ملايين المواطنين وكشف عن ثغرات خطيرة في البنية التحتية الرقمية للإدارات العمومية.
- استهداف تطبيق يربط الموثقين بـالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، حيث تم تسريب معطيات حساسة مرتبطة بأملاك عقارية تعود لمسؤولين حكوميين وأمنيين عبر حساب على تلغرام يحمل اسم “Jabaroot”.
هذه الحوادث لم تكن مجرد حوادث تقنية، بل كشفت عن ضعف هيكلي في مواجهة هجمات متطورة غالباً ما تكون مدعومة من جهات خارجية أو جماعات إجرامية منظمة. أمام هذا الواقع، أصبحت إعادة هيكلة المنظومة السيبرانية ضرورة ملحة، ليس فقط للحماية الدفاعية، بل لضمان استمرارية الخدمات العمومية، حماية الاقتصاد الرقمي، وتعزيز الثقة في البنية التحتية الوطنية.
الشراكات الدولية: إسرائيل والهند في صلب الاستراتيجية
تحتل الشراكات الدولية مكانة مركزية في الورش الجديد، وتأتي إسرائيل والهند في مقدمة الشركاء الاستراتيجيين.
- مع إسرائيل، وقّع المغرب في يوليوز 2021 اتفاقاً خاصاً في مجال الأمن السيبراني، سبق توقيع الشراكة العسكرية والأمنية في نوفمبر من العام نفسه. هذا التعاون تطور لاحقاً ليشمل تبادل الخبرات في مجال الدفاع السيبراني الهجومي والدفاعي، وتزويد المغرب بتقنيات متقدمة لكشف الاختراقات ومواجهة الهجمات المتطورة.
- أما مع الهند، فقد شهدت الشراكة قفزة نوعية خلال زيارة وزير الدفاع الهندي راجنات سينغ إلى الرباط في سبتمبر 2025، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم تشمل الأمن السيبراني، الدفاع السيبراني، وصناعة الدفاع. الهند، التي تعد من أكبر الدول في مجال تطوير البرمجيات الأمنية والذكاء الاصطناعي الدفاعي، تقدم للمغرب فرصة للاستفادة من خبراتها في بناء قدرات محلية مستدامة.
هذه الشراكات ليست مجرد اتفاقيات ثنائية، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل المغرب إلى قطب إقليمي في مجال الأمن السيبراني في شمال إفريقيا، مستفيداً من موقعه الجيوستراتيجي وانفتاحه على أكثر من محور دولي.
بناء قدرات وطنية: من الدفاع السلبي إلى الهجومي
تركز الاستراتيجية الجديدة على عدة محاور رئيسية:
- تعزيز البنية التحتية الرقمية للمؤسسات الحساسة (البنوك، الإدارات العمومية، شركات الطاقة والنقل).
- تطوير مراكز عمليات أمن سيبراني (SOC) متقدمة تعمل على مدار الساعة.
- تكوين كفاءات وطنية عالية المستوى من خلال برامج تدريب مكثفة بالتعاون مع الشركاء الدوليين.
- إنشاء وحدات هجومية سيبرانية دفاعية (Red Team) قادرة على اختبار المنظومات واكتشاف الثغرات قبل استغلالها.
- سن تشريعات جديدة تتعلق بحماية البيانات الشخصية والجرائم الإلكترونية، مع تشديد العقوبات على الجهات المتورطة في الهجمات.


















