جني الزيتون: أزمة اليد العاملة تخيم على الموسم
في مشهد يعكس حجم التحديات التي يواجهها القطاع الفلاحي بالمغرب، يبدأ العد التنازلي لانطلاق موسم جني الزيتون بأقاليم الشمال المعروفة بكثافة أشجارها، وسط توجس كبير من المزارعين والفلاحين من تجدد أزمة الخصاص في اليد العاملة والارتفاع المتواصل في تكاليف الإنتاج. وتُشكل هذه الوضعية تهديداً حقيقياً لموسم كان يُنتظر أن يحقق مردودية عالية، بعد أن أجبرت هذه الأزمة العديد من الفلاحين على التخلي عن جني مساحات مهمة من حقولهم العام الماضي.
في أزمة موسمية تتفاقم عاماً بعد عام. يواجه فلاحو أقاليم الشمال مأزقاً حقيقياً مع انطلاق موسم جني الزيتون، حيث يدفع الخصاص في اليد العاملة وارتفاع الأجور بالعديد منهم إلى التخلي عن محاصيلهم.
جني الزيتون يواجه تحديات متزايدة
ويشتكي العديد من الفلاحين من التحديات والصعوبات التي باتت تواجههم كل عام مع حلول موسم جني الزيتون، الذي أضحى مناسبة سنوية يتجدد فيها الحديث عن الخصاص الحاد في اليد العاملة وارتفاع أجورها بشكل غير مسبوق. وقد دفع هذا الوضع البشير الغرافي، وهو فلاح معروف بإنتاج الزيتون بضواحي مدينة القصر الكبير، إلى البدء مبكراً في البحث عن العمال الذين سيعتمد عليهم في عملية القطاف، بعد تجربة مريرة عاشها السنة الماضية.
وقال الغرافي إن المشكلة التي واجهته العام الماضي جعلته يتخلى عن الغلة معلقة في الأشجار، حيث فشل في جني حوالي ثلاثمائة شجرة من الزيتون بسبب غياب اليد العاملة. وأكد الفلاح ذاته أنه بدأ يفكر بشكل جدي في الدخول في مفاوضات مع عامل أو رب أسرة في المناطق المجاورة للحقل من أجل اقتسام المحصول بالنصف، في رسالة واضحة تبين حجم الضغط واليأس الذي بات يعانيه الفلاحون. ويمكن الاطلاع على الإحصائيات الرسمية المتعلقة بإنتاج الزيتون والسياسات الفلاحية عبر الموقع الرسمي لوزارة الفلاحة والصيد البحري الذي يوفر معطيات دقيقة حول القطاع وتوجهاته الاستراتيجية.
جني الزيتون وتكاليف الإنتاج المرتفعة
من جهته، أكد صديق ستيتو، رئيس مجموعة ذات النفع الاقتصادي بإقليم وزان والفاعل المهني في القطاع بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، أن بوادر أزمة متفاقمة في اليد العاملة بدأت تلوح في الأفق مع انطلاق موسم جني الزيتون. وأفاد ستيتو بأن الخصاص الكبير يدفع الفلاحين إلى رفع أجور العمال، حيث يصل الأجر اليومي إلى ثلاثمائة وخمسين درهماً للعامل الواحد، معتبراً أن هذا الأمر يشكل عبئاً مالياً ثقيلاً على الفلاحين، خاصة الصغار منهم.
وأشار الفاعل المهني في القطاع إلى أن غياب الحكامة في التدبير وترك أشجار الزيتون دون تقليم لتشغل مساحات كبيرة من العوامل التي تجعل عملية جني الزيتون معقدة وصعبة، ويزيد من حدتها التضاريس الجبلية المرتفعة وعلو الأشجار الذي يمثل خطراً على العاملين. وسجل المتحدث عينه أن كلفة القطاف أصبحت تلتهم جزءاً كبيراً من مداخيل الفلاح، متوقعاً أن يساهم في تفاقم الوضع المتأزم سعر الزيتون المتراجع الذي لا يتعدى أربعة دراهم في الوقت الراهن.
جني الزيتون وتحولات سوق الشغل
ويذكر أن العديد من قرى وأقاليم الشمال باتت تعيش سنوياً على إيقاع أزمة كبيرة في إيجاد اليد العاملة الكافية لعملية جني الزيتون، الذي حقق السنة الماضية مردودية عالية ساهمت في الضغط على الفلاحين، خصوصاً مع تفضيل غالبيتهم تأخير العملية إلى غاية نزول الأمطار التي زادت كمياتها المهمة في تعقيد المهمة. كما يعاني القطاع الفلاحي في السنوات الأخيرة من تراجع اليد العاملة التي استقطبتها الشركات المختصة في إنتاج الفواكه الحمراء بإقليمي العرائش والقنيطرة.
ويُفضل العمال الاشتغال بشكل قانوني ودائم في هذه الشركات بدلاً من الاعتماد على العمل الموسمي الذي توفره عملية جني الزيتون، مما يخلق منافسة غير متكافئة على الأيدي العاملة المتاحة. وتُشكل هذه التحولات في سوق الشغل الفلاحي تحدياً بنيوياً يستدعي من الجهات المعنية إعادة التفكير في استراتيجيات استقطاب اليد العاملة وتحفيزها على المشاركة في المواسم الفلاحية الموسمية.
ويبقى الرهان الحقيقي في مدى قدرة الفلاحين على تجاوز هذه الأزمة الموسمية المتكررة، وهل ستُسهم المبادرات الحكومية في توفير حلول مستدامة لإشكالية اليد العاملة. كما يبقى السؤال مطروحاً حول انعكاسات هذا الوضع على أسعار زيت الزيتون في السوق المحلية، وهل ستدفع هذه الصعوبات نحو مزيد من الارتفاع في أسعار هذه المادة الأساسية في المطبخ المغربي.
وتُمثل هذه الأزمة محطة مهمة في مسار تطوير القطاع الفلاحي، وتؤكد أن جني الزيتون يظل تحدياً سنوياً يستدعي تضافر جهود جميع المتدخلين لضمان استدامة هذه الشعبة الحيوية. ولمتابعة آخر المستجدات الفلاحية والاقتصادية، يمكن زيارة قسم الاقتصاد في موقعنا للحصول على تغطيات شاملة ومعمقة لأبرز التطورات في القطاع الفلاحي الوطني.









