اراء و تحليلاتالرئيسية

“الإستقلال الإستراتيجي” وجراحة “فك الإشتباك”..!!

67 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

                                                            بقلم :

                                       د. محمد المنشاوى ..

 

لا يعني أبداً سعي مصر الحديثة لتحقيق “الإستقلال الإستراتيجي” وبناء علاقات إستراتيجية قوية مع باقى القوى الكبرى الفاعلة حالياً على مستوى العالم كالصين وئداً للعلاقة القائمة مع القوة الكبرى الأخري..

ولهذا ، يُخطىء مَنْ يظن أن التقارب المصري الصينى الذى تجسدت معالمه على ضوء الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني إلى القاهرة ، يمثل توجهاً حديثاً من القيادة المصرية لوَئد العلاقات الإستراتيجية مع واشنطن بقدر ما هو ثصويباً لمسارها على ضوء المتغيرات الحاصلة حالياً و”فرملة” التأثير السلبى لدولة الكيان على هذه العلاقة..          

فالسياسة من وجهة نظر القيادة المصرية وعلى ضوء ما تتمتع به من رشادة  ليست ضجيجاً أو نحِيباً أو عويلاً أو البحث عن اللقطة ، بل هى القدرة على فرض واقع جديد على الأرض يدفع بالقوي العظمي إلى إدراك أن مفاتيح الحل والربط بالإقليم موجودةً فى العاصمة المصرية ، وأن إغفال أو تجاوز هذا الدور هو مقامرة غير محسوبة..

و”الإستقلال الإستراتيجي” يعنى قدرة الدولة على إتخاذ قراراتها المصيرية سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً بناء على مصلحتها الوطنية الذاتية دون ضغوط أو إملاءات من قوي خارجية ، بما لا يعنى فى ذات الوقت العزلة والإنغلاق بل تنوع الشراكات دون الإرتباط بحليف واحد فقط  وهو ما تمخض فى تقوية التواصل مع القوة الصينية الجديدة ..

ويُترجَم هذا “الإستقلال الإستراتيجى” للقيادة المصرية أولاً سياسياً:فى شكل مواقف دولية مستقلة كالوساطات فى النزاعات ورفض التدخلات ، ثانياً إقتصادياً:كإستحداث سلاسل إمداد بديلة كالعملة الرقمية أو الإحتياطيات الذهبية لتقليل التبعية للدولار ودعم الإستثمار وتحقيق الأمن الغذائي والصناعي ، وثالثاً عسكرياً:توفير قدرات عسكرية دفاعية متقدمة مانعة من خلال التصنيع الدفاعى المشترك والمحلى ..

ولا ينطبق “الإستقلال الإستراتيجي” إلا علي دولة عميقة منشودة من الجميع على مستوي العالم مثل مصر ، مُثَقلة بتنوع الملفات الإقليمية المؤثرة على مستوي العالم ، مثل الملف الليبى حيث تدعم مصر الإستقرار فى هذه الدولة المجاورة مع إعتبار الغرب الليبي عمقاً إستراتيجياً ، وملف السودان ذات العلاقة التاريخية مع مصر لكنها تأثرت بتطورات الصراع الداخلى مع الحرص على عدم إنزلاق الخرطوم إلى الفوضى ، ثم ملف غزة من خلال دورٍ محورىٍ كوسيط للتهدئة ومنع التهجير وإعادة الإعمار ، ثم تأتى ملفات التحديات الداخلية المؤثرة كالأمن المائى ومعالجة آثار “سد الخراب الأثيوبي” والأمن الغذائي والإقتصاد وجذب الإستثمار ومكافحة الإرهاب لاسيما فى سيناء ..            

ويتزين هذا “الإستقلال الإستراتيجي” المصري ، بتوازنٌ بين القوة الناعمة دبلوماسياً ، والقوة الصلبة عسكرياً مع الإنفتاح على جميع الأطراف لضمان مصالحها الوطنية..

ليتضح للجميع أن هذا الواقع المصري الجديد ، الذى فرضته القاهرة بوصفها مركز ثِقل إستراتيجى ، لا يمكن تجاوزه فى أى معادلة تخص أمن إقليم الشرق الأوسط وإستقرار الممرات المائية الحيوية ، لأنه يعكس ثقل الدولة المصرية فى موازين القوي العالمية ..

وما كان هذا الواقع الجديد ليتجسد على هذا النحو ، إلا لأن الدولة المصرية تتبع سياسة النفس الطويل والهدوء المتحسب الذى يسبق الفعل والعمل ، وقدرتها على تحريك خيوط الأزمات المعقدة بين أطراف متناقضة ، لِما تتمتع به من إحترافية إستخباراتية ودبلوماسية تتميز بها القاهرة عن غيرها..والتاريخ يحكي ..

ولهذا لم يكن الإعتراف الدولي بأن مصر هى المانع لإنفجار المنطقة ،  مجرد إشادة لفظية تصدر من هنا أو هناك !! بقدر ما كان إدراكاً بأن ضعف الدور المصري لا يعنى سوي دخول العالم فى نفق مظلم من الفوضي التى ستؤثر على الإقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز وقناة السويس ..

وفي النهاية ، فإن ما يحدث الآن من تقارب إستراتيجي بدأ بالصين ويتعزز بروسيا وقد يستتبع بقوى نووية أخرى ككوريا الشمالية ما هو إلا ترجمة فعلية لسعى القيادة المصرية الرشيدة للجمع بين القوة العسكرية المتقدمة وبين الحكمة فى إدارة هندسة الصراعات فى الإقليم من أجل علاقات إستراتيجية قوية جديدة وتصويب مسار القائم منها دون وَئْد علاقة أو التخلى عن أخري ..

لتظل مصر دائماً ، الرقم الصعب فى المعادلة الدولية ، ومن يقرأ التاريخ جيداً يدرك أن قوة المنطقة من قوة “الفعل المصري” ، وأن التخطيط فى القاهرة والتنفيذ العالمي يثبت أن القاهرة هى العقل المدبر الذى “فرمل” جنون الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية وحمى المنطقة من إنفجار كاد  يَطال الجميع فى أنحائها ..

وليتأكد للجميع أن السياسة هى فن تحريك قطع الشطرنج بصمت لإجبار الجالسين على مائدة المنافسة على السير وِفق الخطة الموضوعة دون حاجة لإثبات الهيبة و”فرض العضلات” إعلامياً ، فأجهزة مخابرات الدول العظمي تقر بأن القاهرة هى صمام الأمان فى الإقليم والعالم ، وأنهم  أمام عصر القوة الناعمة والذكاء الدبلوماسي الذى يسترد الحقوق دون رصاصة واحدة ، ولتكتب مصر التاريخ اليوم ، بينما يكتفى الباقون بدور “الكومبارس” فى معركة الوعي التى تقودها القاهرة ..

فالثقافة المصرية تجيد “فن إستعادة الحقوق” ، لأنها نتاجُ ليقظة القيادة المصرية على مدى السنوات الأخيرة وتمرسها على قلب الموازين الإقليمية والدولية ذات الصِلة ، وإرباك حسابات الأعداء والمتنمرين على نحوٍ أفسد خططهم واحدةٍ تلو الأخرى لإستهداف مصر والعبث بمحيطها العربي..

تلك اليقظة لم تكن وليدة اللحظة أو اليوم أو العام ، بل تدُشنت فى عام 2013 ، عندما نفضت مصر يدها من عباءة القطب الواحد وتأثيراته عليها وتدخله فى شأنها ، وتنفتح على العالم شرقه وغربه الذى إكتشف فيها قدراً كبيراً من الرشادة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

Subscribe to our Newsletter