عمرو الليثي: الكلمة طاقة قادرة على الخلق أو الهدم
أكد الإعلامي الدكتور عمرو الليثي أن مقولة «الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور» تُعد من أشهر العبارات التي أطلقها الكاتب المصري الكبير عبد الرحمن الشرقاوي في عمله عن الإمام الحسين عليه السلام، حيث جعل من الكلمة جوهرًا للصراع بين الحق والباطل، وبين الحياة والموت المعنوي، ولم تكن هذه العبارة مجرد صورة بلاغية، بل رؤية فكرية عميقة لدور الكلمة في تشكيل وعي الإنسان ومسار التاريخ.
وأضاف الليثي، أن الشرقاوي يرى أن الكلمة تكون نورًا حين تنبع من الصدق والعدل، وحين تُقال دفاعًا عن الحق في مواجهة الظلم، فالكلمة الصادقة قادرة على إيقاظ الضمائر، وفتح العقول، ومنح الإنسان شجاعة الموقف، وهي نور لأنها تهدي في زمن العتمة، وتمنح المعنى لحياة قد يثقلها القهر أو الخوف، وفي سيرة الإمام الحسين، كانت الكلمة موقفًا قبل أن تكون صوتًا، كلمة رفض للظلم، وكلمة دعوة للحرية، وكلمة إحياء لقيم كادت أن تُطمس.
وفي المقابل، يشير الشرقاوي إلى أن بعض الكلمات قبور، فهي تلك التي تُقال لتبرير الباطل، أو لتزييف الحقيقة، أو لتخدير الناس عن حقوقهم، هذه الكلمات لا تنقل معنى، بل تدفن المعاني، ولا تبعث حياة، بل تُميت الضمائر، وقد تبدو في ظاهرها هادئة أو منمقة، لكنها في جوهرها تحمل سكون القبور، لأنها تحبس الحقيقة وتغلق باب النور أمام العقول والقلوب.
وفي هذا التقابل بين النور والقبور، يرسم الشرقاوي صورة دقيقة لمسؤولية الإنسان عن لغته، فالكلمة ليست حيادية، إما أن تكون مع الحق فتضيء، أو تكون مع الباطل فتدفن، لذلك تصبح الكلمة اختيارًا أخلاقيًا وموقفًا وجوديًا يحدد أين يقف الإنسان، في صف الحياة أو في صف الموت المعنوي.
وتتجلى عبقرية هذه المقولة في أنها لا تقتصر على زمن الإمام الحسين أو عصر الشرقاوي، بل تمتد إلى واقعنا المعاصر، ففي زمن الإعلام المفتوح ووسائل التواصل الاجتماعي، صارت الكلمة أسرع انتشارًا وأعظم أثرًا، كلمة قد تشعل وعيًا، وأخرى قد تزرع فتنة، وثالثة قد تُميت قضية عادلة، وهنا تبرز أهمية أن نسأل أنفسنا، قبل أن نتكلم أو نكتب، هل كلمتنا نور أم قبر، إن رحلة الإنسان بين النور والقبور ليست رحلة مكان، بل رحلة معنى، فهو يعيش بالكلمة ويُعرَف بها، ويترك أثره من خلالها، فإذا جعل كلماته نورًا، صار وجوده إضافة للحياة، وإذا جعلها قبورًا، أسهم في تكريس الظلام ولو دون أن يشعر.
وفي الختام، تؤكد مقولة عبد الرحمن الشرقاوي أن الكلمة ليست مجرد أداة للتعبير، بل طاقة قادرة على الخلق أو الهدم، فطوبى لمن جعل كلماته نورًا يهدي غيره، وويل لمن جعلها قبورًا تدفن الحق، وبين هذين الطريقين تتحدد قيمة الإنسان ومعنى حضوره في هذا العالم.










