alalamiyanews.com

فوضى معلوماتية.. موجة المحتوى المزيف بالذكاء الاصطناعي تغمر الحرب على إيران

0 Shares
58 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

أدى الانتشار السريع والواسع لمقاطع الفيديو والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي إلى خلق حالة من الفوضى المعلوماتية الكاملة على الإنترنت خلال الأسابيع الأولى من الحرب على إيران، حيث اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي موجة غير مسبوقة من المحتوى المضلل الذي يصور مشاهد حرب لم تقع فعلياً في الواقع. وكشف تحقيق معمق أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” أن أكثر من 110 مقاطع فيديو وصورة مزيفة جرى تداولها خلال الأسبوعين الأولين فقط من النزاع، وكلها تم إنشاؤها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي أصبحت متاحة للجميع تقريباً.

مشاهد وهمية تحاكي الواقع بدقة مخيفة

صورت هذه المواد أحداثاً مختلقة بالكامل، مثل انفجارات ضخمة في مدن لم تتعرض لأي هجوم حقيقي، وشوارع مدمرة بالكامل، وسفن حربية أمريكية تحترق أو تغرق في عرض البحر، إضافة إلى مشاهد مؤثرة لجنود أو مدنيين يبكون أو يحتجون على الحرب. وقد حصدت هذه المقاطع ملايين المشاهدات عبر منصات مثل “إكس” (تويتر سابقاً) و”تيك توك” و”فيسبوك”، فضلاً عن انتشارها السريع جداً داخل تطبيقات المراسلة الخاصة المنتشرة عالمياً مثل “واتساب” و”تلغرام”، مما جعل من الصعب جداً السيطرة على انتشارها أو تصحيح المعلومات المغلوطة التي تحملها بسرعة كافية.

تطور تقني يجعل التزييف أسهل من أي وقت مضى

يشير خبراء الإعلام الرقمي إلى أن التطور السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي جعل من السهل للغاية على أي مستخدم – حتى غير المتخصص – إنشاء محتوى يبدو واقعياً للغاية، وذلك بمجرد كتابة وصف نصي بسيط مثل “هجوم صاروخي على مدينة خليجية” أو “غرق حاملة طائرات أمريكية في البحر”، لتقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بإنتاج مقطع فيديو كامل يبدو وكأنه مشهد حقيقي من ساحة الحرب، مع حركات طبيعية نسبياً للأشخاص والمركبات والدخان والانفجارات.

كيف تم كشف المقاطع المزيفة؟

اعتمد الباحثون في تحديد المقاطع المزيفة على عدة مؤشرات تقنية دقيقة، من بينها وجود مبانٍ أو معالم معمارية غير موجودة فعلياً في المكان المزعوم، أو ظهور نصوص مشوهة أو غير منطقية داخل الصورة والفيديو، أو حركات غير طبيعية للأشخاص والأجسام (مثل أيدي تتحرك بشكل غريب أو وجوه تتشوه عند الحركة). كما جرى تحليل الملفات باستخدام أدوات متخصصة في كشف المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى فحص العلامات الرقمية المخفية التي تضعها بعض الأنظمة داخل الملفات للدلالة على أنها مولدة آلياً.

روايات مؤيدة لإيران تهيمن على المحتوى المزيف

بحسب تحليل أجرته شركة “Cyabra” المتخصصة في مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، فإن جزءاً كبيراً من مقاطع الفيديو المزيفة المنتشرة يقدم روايات مؤيدة لإيران، إذ تهدف هذه المواد غالباً إلى إظهار إيران باعتبارها قوة عسكرية قادرة على توجيه ضربات مؤثرة للولايات المتحدة وحلفائها، أو إلى تصوير الحرب على أنها أكثر تدميراً وخطورة مما هي عليه فعلياً في الواقع، مما يساهم في تضليل الرأي العام وإثارة الجدل السياسي.

أبرز الأمثلة على المقاطع الأكثر انتشاراً

من أكثر المقاطع انتشاراً فيديو يظهر صواريخ تضرب أفق مدينة تل أبيب بينما يرفرف العلم الإسرائيلي في مقدمة المشهد، وقد حصد ملايين المشاهدات قبل أن يكتشف الخبراء أنه مولد بالكامل بالذكاء الاصطناعي. كما انتشرت مقاطع أخرى تصور انفجارات هائلة تشبه مشاهد أفلام هوليوود، مع كرات نار عملاقة أو سحب تشبه الفطر النووي، وهي مشاهد نادرة جداً في التصوير الحقيقي للحروب الحديثة، حيث تظهر الضربات عادة من مسافات بعيدة ليلاً كأضواء أو سحب دخان.

تأثير على الرأي العام والحرب النفسية

ساهمت هذه المقاطع المزيفة في تأجيج الجدل السياسي والعسكري، فعندما أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني في بداية مارس استهداف حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن”، انتشرت بسرعة عشرات المقاطع المزيفة التي تظهر السفينة وهي تحترق أو تغرق، وتداولها المستخدمون كدليل على نجاح الهجوم، قبل أن تؤكد الولايات المتحدة لاحقاً أن السفينة لم تتعرض لأي أضرار.

تحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح في الحروب الحديثة

يرى خبراء الإعلام الرقمي أن هذه الظاهرة تعكس تحولاً كبيراً في طبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبحت المعركة على المعلومات لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية على الأرض. فبفضل الذكاء الاصطناعي، يمكن لأي طرف في الصراع أن يخلق رواية بصرية كاملة للحرب، حتى وإن لم تكن تلك الأحداث قد وقعت فعلياً، مما يجعل فصل الحقيقة عن الزيف أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تحديات المنصات في مواجهة المحتوى المزيف

تواجه شركات التكنولوجيا صعوبة متزايدة في التعامل مع هذه الظاهرة، فعلى الرغم من أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي تضع علامات مائية على المقاطع التي تنتجها، إلا أن هذه العلامات يمكن إزالتها بسهولة أو إخفاؤها قبل النشر. وقد أعلنت منصة “إكس” مؤخراً عن عقوبات على الحسابات التي تنشر مقاطع فيديو للحروب تم إنشاؤها بالذكاء الاصطناعي دون الإشارة إلى ذلك، من خلال حرمانها من عائدات المنصة لمدة 90 يوماً، لكن الخبراء يرون أن هذه الإجراءات تبقى محدودة التأثير، خاصة أن الكثير من الحسابات لا تسعى للربح بقدر ما تسعى لنشر رسائل دعائية أو سياسية.

 الذكاء الاصطناعي أصبح سلاحاً في الحرب المعلوماتية

في ظل هذا الواقع، يحذر الباحثون من أن الذكاء الاصطناعي تحول إلى أداة جديدة في الصراعات الدولية، يمكن استخدامها للتأثير في الرأي العام، وتشويه الحقائق، وإرباك تدفق المعلومات، مما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف تحدياً كبيراً في عصرنا الحالي. وتؤكد الدراسات أن هذه الظاهرة ليست مجرد ظاهرة تقنية، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيات الحرب النفسية والدعاية في النزاعات المعاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق