alalamiyanews.com

اراء و تحليلات

“رشادة القائد وقت الأزمات والحروب”..!!

52 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بقلم/ د. محمد المنشاوي

عندما يكون القائد رشيداً ، تنساب قراراته الصعبة في دبلوماسية هادئه إلى قلوب رعيته لتكشف بِدورها عن معدن الحب الإنتماء الوطني لديهم والفهم لِما يتخذه من قرارات وسياسات تستهدف الصالح العام وقت الحروب والأزمات..

فقد توقفت طويلاً عند ذلك الموقف المكي المُضحك الحشود الأنصار تجاه ما فعله رسول الله مع صفوان بن أميه بن خلف الجمحي أحد سادة قريش المشركين عند فتح مكه في السنة الثامنة من الهجرة..

وصفوان كان أبوه من ألد أعداء الإسلام في مكة وأشدها ظُلماً للمسلمين المستضعفين ومات مقتولاً في غزوة حنين.. وورث صفوان عن أبيه البُغض والعداء الشديد للإسلام ولنبيه صلى الله عليه وسلم حتى إنه دبر لقتله غدراً ..

فعند فتح مكة ، عَفَى النبي صلى الله عليه وسلم عن المشركين في مكة في أكبر عملية عفو عام يشهدها التاريخ عندما قال قولته الشهيرة لحشود القرشيين المستسلمين لجيش الفتح وكانوا يظنون أنه سيفتك بهم عقاباً على ما فعلوه بالمسلمين الأوائل تقتيلاً وتعذيباً خاصة صفوان بن أمية: “ما تظنون أني فاعلُ بكم؟” قالوا: أخٌ كريم وإبن أخى كريم، فقال: “إذهبوا فأنتم الطُلقاء”..

وبسبب ما فعله صفوان بالمسلمين والمحاولة الفاشلة التي دبرها لإغتيال النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مُجنداً إبن عمه عُمير لتنفيذها ، ظن صفوان أنه لن يسامحه رغم العفو الجماعي ورغم أن إسمه لم يرد ضمن الأربعة فقط الذين أهدر النبي دمائهم مع إمرأتين من قريش وقد حددهم بالإسم (كما روى أبو داوود وأخرجه البيهقي في “دلائل النبوة”) ..

وفي يوم الفتح ، قال عُمير للنبي: يارسول الله تعلم أن صفوان من كبار سادة قريش وقد فر هارباً عازماً أن يقذف بنفسه في البحر متجهاً إلى اليمن ، فهل تأمنه على حياته ؟ فوافق النبي أن يأمنه..

فلحق عُمَير بصفوان الذي ما إن رآه حتى عنفه لفشله في المؤامره وأبلغه عُمير بأن رسول الله عفى عنه، فرجع صفوان داخلاً على النبي قائلاً: إن هذا يقول أنك قد أمنتني؟ قال الرسول: “نعم”.. فقال صفوان: إذن أمهلني شهرين لكى أُسلِم، فقال: “بل لك أربعة أشهر”، وإستعار منه عِدة المحارب وأعطاه مائة من الإبل كما فعل مع زعماء قريش.. ثم وَجَدُه النبي واقفاً ينظر إلى أحد شِعاب حنين وقد شد إنتباهه شِعب وقد مُلِىء إبلاً وشياهاً وبدت عليه علامات الإنبهار بهذه الإعداد من الأنعام .. فقال النبي له: “أبا وَهْبٍ أيعجبك هذا الشِعَب؟” فقال صفوان: “نعم” .. فقال: “هو لك ومافيه”.. قال صفوان مندهشا ً: لى أنا؟ قال له: “نعم”.. يقول الصحابة: فأشرق وجه صفوان قائلاً: إن الملوك لا تطيب نفسها بمثل هذا ، وما طابت نفس أحدٌ قط بمثل هذا إلا نبي .. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأسلم صفوان..

وعندما وجد حشود الأنصار عطاء النبي من خُمسِة (أي حِصته في الغنائم) لسادة قريش مسلمها وكافرها عطاءً ليس له حدود، تأثروا سلباً .. فقال بعضهم: “لقد لقى النبي قومه (أي رجع لأهله وفرح بهم) غفر الله لرسوله.. يُعطى قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ..

فلما بلغت هذه المقولة للنبي كان لها أثرٌ في نفسه.. وأرسل إلى سعد بن عباده بن الصامت زعيم الخزرج وكان الباقي من سادة الأنصار وقال له: “ما مقولةً بلغتني من قومك؟” قال له: أجل يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم لِما صنعت فى هذا الفِىء الذي أصبت ، قسمته في قومك وأعطيت عطايا عظيمة في قبائل العرب ولم يكن لهم منها شىء .. فقال النبي: “ياسعد وأين أنت من ذلك (أي وما موقفك)؟” فقال سعد: ما أنا إلا رجلُ من قومي ، فقال النبي: “إجمع لي قومك لا يخالطهم أحدٌ”.. فخرج سعد فجمع الأوس والخزرج في شَعبٍ لم يدخلها إلا الأنصار..

ودخل النبي على الأنصار مخاطباً: “يا معشر الأنصار،ألم تكونوا كفاراً فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا عالة (فقراء) فأغناكم الله؟ ألم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟” ثم قال: “ألا تجيبوني؟؟” فقالوا: وبما نجيبك يا رسول الله؟ .. لله ولرسوله المنة والفضل ..

قال النبي صلى الله عليه وسلم : “أما والله لوشِئتم لقلتم ولصدقتُم”.. “قولوا: “ألم تأتينا مكذوباً فصدقناك؟، ألم تأتينا مخزولاً فنصرناك ؟ ألم تأتينا عائلاً فواسيناك؟”.. فإرتفع صوت الأنصار بالبكاء وضج المكان وهم يقولون: المنة لله ولرسوله يا رسول الله.. فأضاف قائلاً: “تقولون لقد لقى محمد اليوم قومه!! أوجدتم فى أنفسكم لِعاعة من الدنيا تألفت بها قلوب قوم ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم”؟ “ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يرجع الناس بالشاة والبعير فى رحالهم وترجعون أنتم برسول الله فى رحالكم؟”..فقالوا: أوفاعل أنت يا رسول الله ؟؟.. (وكانوا يظنون أنه سيعيش فى مكة ، فقد أصبحت دار إسلام وهى مسقط رأسه وهى بلد الله الحرام ، وأنه لن يرجع إلى المدينة معهم ففاجأهم بهذا الخبر المفرح..قالوا: أو فاعل أنت يارسول الله؟.. قال:”أجل .. المحيا محياكم والممات مماتكم” (أي سأعيش فى أرضكم وأدفن فيها) “أنتم الشِعار والناس دثار” (الملابس الداخلية التي تلامس الجسم هي الشعار أم القميص يسمى دثار يعنى أنتم أقرب إلى جلدي” ،”أنتم أهلي وعشيرتي وأحبابي”..” فوالذي نفس محمد بيده لو سلك الناس قاطبة شِعباً وسلك الأنصار شِعباً لسلكت مسلك الأنصار ولولا الهجرة لكنت من الأنصار”.. ثم بسط يده وهو يقول:”اللهم إرحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار” وبكى الرسول صلى الله عليه وسلم وأضاف: “ألم أعهد إليكم يوم العقبة أن الدم الدم والهدم الهدم ، أسالم من سالمتم وأحارب مَنْ حاربتم” وبكى.. فإشتد بكاء الأنصار حتى تخضبت لِحاهم وهم يقولون: رضينا برسول الله رضينا رضينا..خُذ ما بأيدينا من أموال وإعطها لأهل مكة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق