alalamiyanews.com

أخبار العالماراء و تحليلاتالرئيسية

«مظلمة العجوز ورشادة القائد».. بقلم: د. محمد المنشاوي

63 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بقلم: د. محمد المنشاوي

يتحقق الاصطفاف المجتمعي في مواجهة التحديات ومجابهتها، برشادة صانع القرار، لدرجة قد يصل فيها الشعب والرعية إلى الاستعداد للتضحية بقوت يومهم وأنفسهم، ليقفوا في ظهر وطنهم وجيشهم وقيادتهم، حتى وإن تضوروا جوعًا..

هذا الاصطفاف يصبح في تلك الحالة ثمرةً هجينًا بين رُشد القيادة في قراراتها وصلابتها، وتمسكها والتزامها بشأن ثوابت الوطن وصدق الدفاع عنه، وبين ليونتها وعطفها على مَن يستحق من فئات مجتمعية أولى بالرعاية والاهتمام وجبران الخاطر!!..

فقد توقفت كثيرًا عند واقعة للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما مر ذات يوم على الناس مستترًا ليتعرف على أخبار رعيته، وهو أمير المؤمنين، فرأى عجوزًا جالسة فسلّم عليها وقال لها: ما فعل بك عمر؟؟..

فقالت: لا جزاه الله عني خيرًا!!..

فقال لها عمر: ولمَ؟؟

قالت: والله ما نالني من عطائه منذ تولّى أمر المسلمين دينارًا ولا درهمًا..

فقال لها: وما يدري عمر بحالك وأنتِ في هذا الموضع؟؟..

قالت: يا سبحان الله، والله ما ظننت أن أحدًا يلي أمر المسلمين ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها؟؟..

فبكى عمر، ثم قال: وا عُمراه، كل أحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر..

ثم قال لها: يا أمة الله.. بكم تبيعين لي مظلمتك من عمر؟ لكي أرحمه من النار..

قالت: لا تهزأ بي يرحمك الله، واتركني لشأني..

فقال لها: لا أستهزئ والله، وظل يحاول معها حتى اشترى منها مظلمتها بخمسة وعشرين دينارًا، وبينما هما كذلك، إذ أقبل عليهما علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين..

فوضعت العجوز يديها على رأسها وقالت: وا سوأتاه، أشتمت أمير المؤمنين في وجهه!!..

فقال لها عمر: لا بأس عليك يرحمك الله، ثم طلب رقعة يكتب عليها بقلم فلم يجد، فقطع قطعة من ثوبه ثم كتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى عمر من فلانة مظلمتها منذ ولي إلى يومنا هذا بخمسة وعشرين دينارًا، فما تدّعين بعد ذلك عند وقوفك يوم الحشر بين يدي الله تعالى فعمر بريء منه..

وشهد على ذلك علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، ورفع عمر هذا الكتاب إلى ولده عبد الله وقال: إذا متُّ فاجعله في كفني لألقى به ربي..

لله درك يا عمر، ما أعظم خوفك من ربك وإيمانك العظيم، حتى أن أعداءك قد شهدوا لك عندما قالوا: “حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر”..

ولكن ما هو الرُّشد؟؟.. الرُّشد هو البُعد عن الغَيِّ والضلال والسفه وسوء التدبير، وهو حسن تصريف الأمور، والنفع، والبلوغ العقلي، وإصابة وجه الحقيقة والسداد، والسير في الاتجاه الصحيح، وإن هيأ الله لك أسباب الرُّشد، فقد هيأ لك أسباب الوصول إلى النجاح الدنيوي والأخروي..

وقد وردت لفظة الرُّشد في القرآن في 19 مرة وبصيغٍ تتراوح بين (الرُّشد، ورُشدًا، والرشاد، ويُرشِدون، ورشيد، ومُرشِد)، ومنها: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (الكهف: 17)..

ومن حسن الطالع، أن حبا الله مصر بقيادات سياسية وطنية “رشيدة”، لاسيما الحالية منها، جعلتهم يحوّلون معاركهم مع المتنمرين المتربصين بمصر وشعبها وترابها، من معارك للدفاع إلى معارك فرض الإرادة الوطنية، واحترام السيادة والأمن القومي، وما يحدث مع الرئيس الأمريكي وفروضاته ونزعاته على مدى السنوات الأخيرة خير شاهد ودليل..

تلك الرشادة التي تجلّت في التعامل مع مختلف السيناريوهات المحلية والإقليمية، بدءًا بالتهجير القسري، ومرورًا بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية، حتى الابتزاز بفرض الاتفاقيات الإبراهيمية، والتعامل مع خطط ومؤامرات تطويق مصر بالنزاعات شرقًا وغربًا وجنوبًا، وذلك على نحو متعقّل غير متسرّع، بما لم يعطِ الذريعة لذوي التصرفات المتهورة للتنمر بالوطن..

لقد أدرك أصحاب هذه الرشادة المصرية منذ اللحظة الأولى حقيقة: إما أن تكون تابعًا تنفّذ الأوامر من القطب الأمريكي الأوحد، وتقف ضمن طابور التابعين الصامتين في المنطقة الذين تراوحوا بين فاقد للسيادة على أرضه، وآخر محتل أرضه، وآخر خاضع لأهواء وابتزاز الغير، وما أيسرها؛ وإما أن تفرض إرادتك بقوة، وتمارس حق سيادتك على أرضك، وتستقل بقرارك، وتحفظ أمنك القومي وترابك الوطني، وما أصعبها..

وبالطبع، ما كان لهذا الرشاد القيادي المصري ليتحقق، وما لهذا الاصطفاف المجتمعي ليتعزز، ما لم تكن هناك قوة ردع عسكرية عظيمة تحمي الوطن وتؤكد استقلالية قراره؛ تلك القوة قد أفسدت نظرية الضربة الاستباقية للعدو الصهيوني، كعادته الذميمة مع الجيران الضعفاء، والتطاول والعدوان عليهم وقت ما يحلو لهم، بمباركة أمريكية عمياء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق

Subscribe to our Newsletter