alalamiyanews.com

وليلي.. جوهرة التراث الروماني في قلب المغرب

0 Shares
78 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

في عمق سهول مولاي إدريس زرهون، على بعد حوالي 30 كيلومتراً شمال مدينة مكناس، تقبع مدينة وليلي كشاهد صامت على تاريخ المغرب الغني بالتلاقح الحضاري. هذه المدينة الأثرية، التي تعود جذورها إلى القرن الثالث قبل الميلاد كمستوطنة أمازيغية، تحولت تحت الحكم الروماني إلى مركز تجاري واقتصادي مزدهر، قبل أن تصبح رمزاً للاندماج بين الثقافات. مدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1997، تجذب وليلي سنوياً عشرات الآلاف من الزوار، ليس فقط لجمال فسيفسائها وأعمدتها، بل لأنها تروي قصة كيف استطاع المغرب أن يستوعب الغزاة ويحولهم إلى جزء من هويته. في هذا التحقيق الحصري، نستعرض تاريخ وليلي من أصولها الأمازيغية إلى دورها اليوم كوجهة سياحية وثقافية، معتمدين على أحدث الدراسات الأثرية والزيارات الميدانية للموقع.

أصول وليلي: من مستوطنة أمازيغية إلى مدينة رومانية

لم تكن وليلي مدينة رومانية خالصة منذ البداية؛ بل كانت نشأتها مرتبطة بالحضارة الأمازيغية في المملكة الموريتانية الطنجية، حوالي القرن الثالث قبل الميلاد. كانت الموقع مركزاً تجارياً هاماً لقبيلة الموريين، مستفيداً من موقعه على طرق القوافل التي تربط الداخل بالساحل. تأثرت بالثقافة الفينيقية والقرطاجية، كما يظهر في بقايا معبد للإله البونيقي بعل، ونقوش فينيقية اكتشفت في الحفريات.

مع سقوط قرطاج عام 146 قبل الميلاد، أصبحت وليلي جزءاً من مملكة موريتانيا الرومانية العميلة. في عام 25 قبل الميلاد، عيّن الإمبراطور أوغسطوس الملك جوبا الثاني – ذو الأصول الأمازيغية لكنه متعلم رومانياً – حاكماً على المملكة، فجعل وليلي عاصمة ثانوية. تحت حكمه، نمت المدينة معمارياً وثقافياً، مع مزيج من العناصر الرومانية والأمازيغية.

في عام 44 ميلادي، ضم الإمبراطور كلوديوس موريتانيا إلى الإمبراطورية الرومانية، وأصبحت وليلي مدينة رومانية كاملة. توسعت مساحتها إلى 42 هكتاراً، محاطة بسور طوله 2.6 كيلومتر مع 34 برجاً دفاعياً وستة أبواب رئيسية، مثل باب طنجة (Tingis Gate) الذي بني عام 168-169 ميلادي.

وليلي
وليلي

ازدهار وليلي تحت الحكم الروماني: مدينة الزيتون والفسيفساء

بلغت وليلي ذروتها في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، تحت حكم الإمبراطورين تراجان وهادريان. كانت المدينة تضم حوالي 20,000 نسمة، معظمهم من الأمازيغ الرومانيين. اقتصادياً، اعتمدت على زراعة الحبوب والزيتون، حيث كانت تنتج زيت الزيتون بكميات هائلة للتصدير إلى روما. اكتشفت الحفريات 58 معصرة زيتون داخل المدينة، مما يؤكد دورها كممون غذائي حيوي للإمبراطورية.

الآثار البارزة تشمل:

  • قوس النصر (Arch of Caracalla): بني عام 217 ميلادي تكريماً للإمبراطور كاراكالا ووالدته جوليا دومنا، وهو أيقونة المدينة المعاد بناؤها جزئياً عام 1930-1934.
  • البازيليكا: مبنى إداري كبير (42 متر طولاً و22 متر عرضاً) للقضاء والحكم، اكتمل بناؤه في عهد ماكرينوس في بداية القرن الثالث، ويُشبه نموذج ليبتيس ماغنا.
  • معبد الكابيتوليوم (Capitoline Temple): مخصص للآلهة جوبيتر، جونو، ومينيرفا، مع مصطبة مرتفعة ومحراب أمامي، أعيد ترميمه عام 1962.
  • المنازل الفاخرة: مزينة بفسيفساء مذهلة، مثل بيت أورفيوس (موزاييك أورفيوس يُسحر الحيوانات)، بيت الرياضي (بهلوان على حمار)، بيت هيرقل (أعمال هيرقل الاثنا عشر)، وبيت فينوس (سباق عربات الطاووس).
  • الحمامات العامة: نظام تدفئة متقدم، وأنابيب صرف صحي تُفرغ النفايات في النهر.
  • السوق والطرق: الديكومانوس ماكسيموس (الشارع الرئيسي) محاط بأعمدة ومحلات، مع 121 متجراً (معظمها مخبوزات).

كانت وليلي مدينة مزدوجة الهوية: رومانية في عمرانها، أمازيغية في سكانها، مع وجود مجتمع يهودي في القرن الثالث، كما تثبت النقوش العبرية واليونانية واللاتينية ومصابيح المنوراه.

التراجع والفترة الإسلامية: من الانهيار الروماني إلى عاصمة إدريسية

بدأت وليلي في التراجع في القرن الثالث أثناء أزمة الإمبراطورية الثالثة، ثم انسحبت القوات الرومانية عام 285 ميلادي بسبب بعد الموقع عن قلب الإمبراطورية. بقيت المدينة مأهولة لمدة 700 عام أخرى كمجتمع مسيحي لاتيني، ثم إسلامي مبكر.

في أواخر القرن الثامن، أصبحت وليلي مقر إدريس الأول – مؤسس الدولة الإدريسية – الذي أُعلن إماماً عام 787-788، ووسع نفوذه في شمال المغرب، ثم أسس مدينة فاس. اغتيل إدريس الأول في وليلي عام 791، ونقل ابنه إدريس الثاني العاصمة إلى فاس، مما أدى إلى تراجع تدريجي لوليلي. في عام 818، أعاد مجموعة مسلمة (الرابضيين) توطينها، لكنها تخلت نهائياً في القرن الحادي عشر مع نقل السكان إلى مولاي إدريس زرهون (5 كم فقط).

الزلزال الكبير في منتصف القرن الثامن عشر دمر ما تبقى، ونهب مولاي إسماعيل أحجارها لبناء قصوره في مكناس، مما جعلها تُعرف خطأ بـ”قصر فرعون” لدى السكان المحليين حتى نهاية القرن التاسع عشر.

الاستكشاف والحفريات: من “قصر فرعون” إلى تراث عالمي

بدأت الحفريات في وليلي في أواخر القرن التاسع عشر على يد عالم الآثار الفرنسي هنري دي لا مارتينيير (1887-1892)، ثم توسعت خلال الانتداء الفرنسي (1912-1955) تحت إشراف المارشال ليوتي، مستخدمين أسرى حرب ألمان. تم حفر نصف الموقع فقط، واكتشفت فسيفساء رائعة نقل بعضها إلى متحف الآثار في الرباط.

بعد الاستقلال عام 1956، استمرت الحفريات تحت إشراف السلطات المغربية، مع تعاون دولي مثل جامعة لندن كوليدج والمعهد الوطني للعلوم الأثرية والتراثي (INSAP). في 2000، كشفت حفريات جديدة عن مقر إدريس الأول خارج الأسوار، بما في ذلك مجمع فناء مع حمام وسيلوات وقاعات استقبال، مؤرخة لعهده.

أُدرجت وليلي في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1997 كـ”موقع أثري لوليلي”، بناءً على معايير ثقافية تشمل التبادل الحضاري (ii)، الشهادة على حضارة مفقودة (iii)، نموذج مدينة استعمارية (iv)، وربط بأحداث تاريخية مثل تأسيس الدولة الإدريسية (vi). الترميمات شملت قوس كاراكالا (1930-1934)، معبد الكابيتوليوم (1962)، البازيليكا (1965-1967)، وباب طنجة (1967)، رغم انتقادات للترميمات الجذرية في تقرير اليونسكو عام 1997.

وليلي اليوم: وجهة سياحية عالمية وتراث يحتاج الحماية

تجذب وليلي اليوم أكثر من 200,000 زائر سنوياً، وتُعد أحد أبرز المواقع الأثرية في شمال إفريقيا. الموقع مفتوح يومياً، مقابل رسوم رمزية (70 درهم للأجانب، 10 دراهم للمغاربة)، ويوفر لوحات توضيحية وجولات مرشدة بالعربية، الفرنسية، والإنجليزية.

الجهود الحالية للحفاظ تشمل:

  • حفريات مستمرة بالتعاون مع INSAP وجامعة لندن كوليدج، كشفت مؤخراً عن طبقات إسلامية مبكرة.
  • ترميمات حديثة للفسيفساء والأبنية، مع التركيز على الحماية من التآكل الجوي والزوار.
  • مشاريع سياحية مستدامة، مثل زراعة أشجار زيتون حول الموقع لمنع التآكل التربوي.
  • تعاون مع اليونسكو لمراقبة التغيرات المناخية التي تهدد الفسيفساء والجدران.

وليلي ليست مجرد أنقاض؛ إنها دليل حي على قدرة المغرب على الاندماج دون فقدان الهوية، ودورها اليوم يتجاوز السياحة لتصبح مركز تعليمي يُعلّم الأجيال الجديدة تاريخهم المشترك مع روما والعالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق