alalamiyanews.com

أخبار العالماراء و تحليلاتالرئيسية

الدولة المصرية في موازين القوى

53 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

 بقلم : د. محمد المنشاوي 

أثبتت مجريات وتطورات الحرب الإيرانية على نحو لا تخطئه العين، أن السياسة ليست ضجيجاً أو نحيباً أو عويلاً أو البحث عن اللقطة، بل هي القدرة على فرض واقع جديد على الأرض يدفع بالقوى العظمى إلى إدراك أن مفاتيح الحل والربط موجودةً في العاصمة المصرية وحدها، وأن مسألة إغفال أو تجاوز هذا الدور، ما هي إلا مقامرة غير محسوبة العواقب..
وليتضح للجميع أن هذا الواقع الجديد، الذي فرضته القاهرة بوصفها مركز ثقل استراتيجي، لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص أمن إقليم الشرق الأوسط واستقرار الممرات المائية الحيوية، لأنه يعكس ثقل الدولة المصرية في موازين القوى العالمية..
وما كان هذا الواقع الجديد ليتجسد على هذا النحو، إلا لأن الدولة المصرية تتبع سياسة النفس الطويل والهدوء المتحسب الذي يسبق الفعل والعمل، وقدرتها على تحريك خيوط الأزمات المعقدة بين أطراف متناقضة، لما تتمتع به من احترافية استخباراتية ودبلوماسية تتميز بها القاهرة عن غيرها.. والتاريخ يحكي..
ولهذا لم يكن الاعتراف الدولي بأن مصر هي المانع لانفجار المنطقة، مجرد إشادة لفظية تصدر من هنا أو هناك!! بقدر ما كان إدراكاً بأن ضعف الدور المصري لا يعني سوى دخول العالم في نفق مظلم من الفوضى التي ستؤثر على الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز وقناة السويس..
فمصر ليست مجرد دولة بل هي العمق البشري والاستراتيجي وهي الخبرة التاريخية وأن أي تفكير في مشروع عربي يتجاوزها أو يقلل من شأنها وأهمية دورها يفتقر إلى أسباب النجاح وسيفشل لا محالة..
كما أن مَنْ يحاول تصوير مصر أنها خارج معادلة “الفعل العربي” هو في الواقع يتجاهل حقيقة أن القاهرة هي الركيزة التاريخية والمحورية لمنظومة الأمن القومي العربي..
وما يحدث الآن ما هو إلا ترجمة فعلية لاستعادة الدور الريادي الذي يجمع بين القوة العسكرية الرادعة وبين الحكمة في إدارة وهندسة الأزمات، مما يجعل الخريطة فعلياً ترسم في القاهرة بمداد من الثقة والقدرة على حماية المصالح القومية..
لتظل مصر دائماً، الرقم الصعب في المعادلة الدولية، ومن يقرأ التاريخ جيداً يدرك أن قوة المنطقة من قوة “الفعل المصري”، وأن التخطيط في القاهرة والتنفيذ العالمي يثبت أن القاهرة هي العقل المدبر الذي “فرمل” جنون الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية وحمى المنطقة من انفجار كاد يطال الجميع في أنحائها..
ورغم كون إسلام آباد هي الوسيط الموثوق به، فإن قرار الحسم النهائي لا يخرج إلا من أروقة مكتب صانع القرار المصري في القاهرة التي كانت المهندس الأول لتوازن القوى الجديد في المنطقة، ليبقى مضيق هرمز منطقة خط أحمر للعالم شرقه وغربه..
وليتأكد للجميع أن السياسة هي تحريك قطع الشطرنج بصمت لإجبار الجالسين على مائدة المنافسة على السير وفق الخطة الموضوعة دون حاجة لإثبات الهيبة و”فرض العضلات” إعلامياً، فأجهزة مخابرات الدول العظمى تقر بأن القاهرة هي صمام الأمان الوحيد في الكوكب حالياً، وأنهم أمام عصر القوة الناعمة والذكاء الدبلوماسي الذي يسترد الحقوق دون رصاصة واحدة، ولتكتب مصر التاريخ اليوم، بينما يكتفي الباقون بدور “الكومبارس” في معركة الوعي التي تقودها القاهرة..
فالثقافة المصرية تجيد “فن استعادة الحقوق”، لأنها نتاج ليقظة القيادة المصرية على مدى السنوات الأخيرة وتمرسها على قلب الموازين الإقليمية والدولية ذات الصلة، وإرباك حسابات الأعداء والمتنمرين على نحو أفسد خططهم واحدة تلو الأخرى لاستهداف مصر والعبث بمحيطها العربي..
تلك اليقظة لم تكن وليدة اللحظة أو اليوم أو العام، بل دُشنت في عام 2013، عندما نفضت مصر يدها من عباءة القطب الواحد وتأثيراته عليها وتدخله في شأنها، وتنفتح على العالم شرقه وغربه الذي اكتشف فيها قدراً كبيراً من الحكمة والذكاء دون ضجيج..
وتبقى كلمة أخيرة، إلى السادة المخدوعين بيننا وفي محيطنا العربي نتيجة نقص الوعي والافتقار إلى المعرفة وضغوط آثار الضربات الحربية المتناثرة، ودعاية المتربصين من الأعداء من دعاة الفتنة والوقيعة، بتصديرهم للإحباط وفقدان الشغف بالانتماء القومي والوطني ومحاولة تسفيه الإحساس بالوطنية والكفر بالعروبية أن يستفيقوا ويتحلون بالثقة في يقظة القيادة السياسية المصرية الرشيدة إعلاءً لمصلحة الجميع..
الأمر الذي يستلزم منا جميعاً نحن معشر العرب، تبنّي موقف سياسي صلب يتضمن تجميد التطبيع ووقف كل أشكال التعاون مع الاحتلال حتى يلتزم بالقانون الدولي، يرافقه موقف عربي موحد يرفض تحويل الأجواء والحدود العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات وتفعيل فكرة الجيش العربي الموحد، والبدء بتنسيق استخباراتي عربي يحمي سيادة أجواء بلداننا، وتفعيل أوراق الضغط الاقتصادي العربي الهائلة وتنسيق استخدامها بوصفها قوة ردع عربية لا يستهان بها..
ولا يتعين – في ذات الوقت – أن نغفل أو نتجاهل معركة الإعلام العربي والتواصل الأخلاقي من خلال توحيد الخطاب الإعلامي العربي لكشف جرائم الاحتلال ومواجهة الروايات التي تريد جر المنطقة لحرب لا تخدم سوى أعدائها، وتغليب العقل بنبذ التنابذ والملاسنة بيننا بما لا يخدم سوى مخططات الأعداء في الوقيعة بيننا..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق