تخطي إلى المحتوى الرئيسي

alalamiyanews.com

الرئيسيةاراء و تحليلات

«الغيرة الوطنية بين المشروعية وحسابات الواقع»

60 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

:بقلم

د. محمد المنشاوي

لا شك أن الغيرة على الوطن وأبناءه هي ثقافة متجذرة لدى السواد الأعظم من المصريين، ولها مشروعيتها وما يبررها، غير أن للواقع حسابات دقيقة يدركها صانع القرار الرشيد في الدولة العميقة، لا تخضع للعواطف والأهواء، وإن توفرت لأصحابها سلامة القصد والنوايا.
فعندما تتحرك الدولة المصرية وصانع قرارها وجيشها، لا تتحرك لإرضاء أحد، أو تأثراً بروايات بسطاء التواصل الاجتماعي الذين يساورهم القلق من التواجد العسكري “الرمزي” كتلك “المفرزة” في الإمارات أو أي دولة عربية، إنما تتحرك الدولة المصرية بناءً على معلومات ورؤية للواقع الماثل في المنطقة، الذي يمس صميم الأمن القومي المصري قبل غيره، في وقت تشتعل فيه جميع جبهات مصر بهدف استدراج الجيش المصري لاستنزافه.
وطبقاً للمفاهيم العسكرية، فإن كلمة “مفرزة” تعني قوة صغيرة تمثل مقدمة عسكرية لغرض التأمين والحماية، كعامل طمأنة وردع رمزي تمهيداً للدفع بالقوة الرئيسية إذا لزم الأمر. وما حدث بشأنها وغيرها لا يشكل تعارضاً للدستور، أو التفافاً على تفويض البرلمان. فطبقاً لدستور 2014، يجب على الرئيس أن يحصل على موافقة مجلس النواب قبل إرسال قوات خارج الدولة، ولكن ليس في الدستور ما يمنع الرئيس، بدون الرجوع للمجلس، من إرسال قوات خارج الدولة لمهام الحماية في إطار عملية محدودة غير معلنة، ومهام للتأمين تكلف بها المفارز، لاسيما في حالة الطوارئ، والتهديدات العاجلة، والمناورات، والتدريبات، وحالات الإجلاء، والدعم اللوجستي، ومهام حفظ السلام، والمراقبة، ومواجهة الإرهاب، والعمليات المحدودة وغير المعلنة، وتنفيذ اتفاقيات للتعاون المشترك، والتي تسمى عسكرياً “مهام خاصة”، ولا تخضع لنص الدستور. حيث توجد قوات مصرية في 12 دولة عربية تحت مسميات مختلفة من صور التعاون العسكري، وبالتالي فإن إرسال هذه القوة المحدودة من حيث العدد والتنوع التشكيلي يأتي في إطار الدستور.
فالدولة المصرية تتعامل مع الأمور بذكاء، ولهذا دعمت المؤسسات الوطنية في السودان، ودعمت الجيش الليبي ضد حكم الميليشيات، وذهبت جنوباً إلى الصومال لمحاصرة إثيوبيا المدعومة من إسرائيل اقتصادياً وعسكرياً، وتعاملت مع حرب الخليج بحكمة، وأرسلت لهم دفاعات جوية مصرية وبعض القوات. غير أنها عندما رأت أن الوقت مناسب لدعم أشقائها في الخليج، اتخذت الخطوة بعيداً عن هذا التورط في الحرب المفتعلة من قبل الصهاينة، كما فعلت باكستان وتركيا.
ويؤكد هذه القناعة المصرية الراسخة ما أشار إليه مصدر سياسي مصري إلى تواجد قوات مصرية في أربع دول خليجية حالياً، لدعم الأشقاء بمبادرة مصرية لتقديم الدعم دون انتظار طلب من أحد، مشيراً إلى أن الصمت المصري كان لاعتبارات تتعلق بالتوازنات الإقليمية ودور الوساطة. وفي المقابل، أكد مسؤول إيراني بأن طهران تتفهم جيداً طبيعة علاقة مصر بأشقائها في الخليج، وأن هذا الأمر ليس جديداً بالنسبة لها، مشيراً إلى أن بلاده لا تستهدف إلا الدعم المقدم للولايات المتحدة وإسرائيل في حربها ضد إيران، ومؤكداً إدراك إيران أن مصر غير معنية بالانخراط في الهجوم على إيران أو تقديم دعم للهجوم عليها.
والحقيقة أنه لأول مرة يتم ظهور القواعد المصرية بالخليج بشكل واضح ورسمي أمام الجميع، وإن كانت موجودة منذ فترة، فلا يتعين على أحد أن يتفاجأ. وهو الأمر الذي ينطوي عليه هذا الظهور من رسائل رعب رادعة، تكشف حجم القوة الحقيقية للجيش المصري، المعروفة قوته دائماً. إلا أن هذا الجيش في عهد السيسي أصبح مرعباً ومخيفاً، وقادراً على توفير الحماية لبلده ومناطق كاملة. وما يشاهده المرء، أو يتم الإعلان عنه من قدرات الجيش المصري، لا يمثل سوى 40 في المائة من قوته الحقيقية، بما يضمن تأمين الممرات والمياه الإقليمية والخطوط الاستراتيجية.
ورغم أن هناك محاولات للضغط على مصر من أجل تدخل بري، لأن أعينهم دائماً على القوات البرية المصرية، والمعروفة عالمياً كأحد أقوى الجيوش البرية في العالم، لارتفاع التصنيف القتالي للجندي المصري، إلا أن مصر ومنذ نكسة 67 قد أخذت على نفسها عهداً بعدم الدفع بجيشها خارج الحدود، إلا عندما يتعلق الأمر بحدث وجودي وخطر استراتيجي حقيقي. ولهذا فإن كل تحرك مصري يتم بحسابات دقيقة، وليس بردود أفعال عشوائية.
وليس خافياً أن الخليج دائماً ما يريد أن تكون مصر في حالة احتياج له، وهو ما يفسر سبب بعض المواقف شبه العدائية تجاه مصر؛ لأنه يعلم جيداً أن مصر هي حائط السد الأخير المنيع للمنطقة بكاملها، ويعلم أيضاً أن الظروف الاقتصادية المصرية تجعل من أولويات الدولة المصرية عدم سقوط الخليج والدفاع عنه، مهما كانت التحديات.
فمصر تتحرك اليوم بعقيدة عسكرية هادئة تعتمد على الفعل لا القول، لتأمين مصالحها الحيوية في ثلاث دوائر مشتعلة: ففي الصومال، فرضت واقعاً عسكرياً جديداً بآلاف الجنود لقطع الطريق أمام الأطماع الإثيوبية، وتأمين مداخل البحر الأحمر. وفي ليبيا، انتقلت من مرحلة الخطوط الحمراء إلى قيادة مناورات دولية في قلب سرت لضمان استقرار عمقها الغربي. أما في الخليج، فإن قواعدها العملاقة وشراكاتها العسكرية المتنوعة تمنحها القدرة على حماية الملاحة والتوازن الإقليمي دون ضجيج إعلامي، مما يؤكد أن القاهرة استعادت دورها الإقليمي في المنطقة؛ لأنها تتحرك في صمت، وتضرب بدقة عند الضرورة، لحماية أمنها القومي الممتد من باب المندب إلى المتوسط، لتأمين دوائر أمنها القومي بعيداً عن الدعاية الإعلامية والتهويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق

Subscribe to our Newsletter