الرئيسيةاراء و تحليلات
« الغيرة الوطنية بين المشروعية وحسابات الواقع»..!!

بقلم :
د. محمد المنشاوى
لاشك أن الغيرة على الوطن وأبناءه ، هى ثقافة متجزرة لدي السواد الأعظم من المصريين ولها مشروعيتها وما يبررها ، غير أن للواقع حسابات دقيقة يدركها صانع القرار الرشيد فى الدولة العميقة لا تخضع للعوطف والأهواء وإن توفرت لأصحابها سلامة القصد والنوايا..
فعندما تتحرك الدولة المصرية وصانع قرارها وجيشها ، لاتتحرك لإرضاء أحد أو تأثراً برويات بسطاء التواصل الإجتماعي الذين يساورهم القلق من التواجد العسكرى “الرمزى” كتلك “المفرزة” في الإمارات أو أى دولة عربية ، إنما تتحرك الدولة المصرية بناء على معلومات ورؤية للواقع الماثل فى المنطقة الذى يمس صميم الأمن القومي المصري قبل غيره ، فى وقت تشتعل فيه جميع جبهات مصر بهدف إستدراج الجيش المصري لإستنزافه ..
وطبقاً للمفاهيم العسكرية فإن كلمة “مفرزة” تعنى قوة صغيرة تمثل مقدمة عسكرية لغرض التأمين والحماية كعامل طمأنة وردع رمزى تمهيداً للدفع بالقوة الرئيسية إذا لزم الأمر ، وما حدث بشأنها وغيرها لا يشكل تعارضاً للدستور أو إلتفافاً على تفيض البرلمان ، فطبقا ً لدستور 2014 يجب على الرئيس أن يحصل على موافقة مجلس النواب قبل إرسال قوات خارج الدولة ، ولكن ليس فى الدستور ما يمنع الرئيس بدون الرجوع للمجلس أن يرسل قوات خارج الدولة لمهام الحماية فى إطار عملية محدودة غير معلنة ومهام للتأمين تكلف بها المفارز لاسيما فى حالة الطوارىء والتهديدات العاجلة والمناورات والتدريبات وحالات الإجلاء والدعم اللوجستى ومهام حفظ السلام والمراقبة ومواجهة الإرهاب والعمليات المحدودة وغير المعلنة وتنفيذ إتفاقيات للتعاون المشترك ، والتى تسمي عسكرياً مهام خاصة ولا تخضع لنص الدستور ، حيث توجد قوات مصرية فى 12 دولة عربية تحت مسميات مختلف من صور التعاون العسكرى ، وبالتالى فإن إرسال هذه القوة المحدودة من حيث العدد والتنوع التشكيلى يأتى فى إطار الدستور..
فالدولة المصرية تتعامل مع الأمور بذكاء ، ولهذا دعمت المؤسسات الوطنية فى السودان ودعمت الجيش الليبي ضد حكم الميليشيات وذهبت جنوباً إلى الصومال لمحاصرة أثيوبيا المدعومة من إسرائيل إقتصاديا وعسكريا ، وتعاملت مع حرب الخليج بحكمة وأرسلت لهم دفاعات جوية مصرية وبعض القوات.. غير أنها عندما رأت أن الوقت مناسب لدعم أشقائها فى الخليج أخذت الخطوة بعيداً عن هذا التوحل فى الحرب المفتعلة من قبل الصهاينة كما فعلت باكستان وتركيا ..
يؤكد هذه القناعة المصرية الراسخة ، ما أشار إليه مصدر سياسي مصري إلي تواجد قوات مصرية فى أربع دول خليجية حالياً لدعم الأشقاء بمبادرة مصرية لتقديم الدعم دون إنتظار طلب من أحد ، مشيراً إلى أن الصمت المصري كان لإعتبارات تتعلق بالتوازنات الإقليمية ودور الوساطة .. وفى المقابل أكد مسئول إيراني بأن طهران تتفهم جيداً طبيعة علاقة مصر بأشقائها فى الخليج وأن هذا الأمر ليس جديداً بالنسبة لها ، مشيراً إلي أن بلاده لا تستهدف إلا الدعم المقدم للولايات المتحدة وإسرائيل فى حربها ضد إيران ومؤكداً إدراك إيران أن مصر غير معنية بالإنخراط فى الهجوم على إيران أو تقديم دعم للهجوم عليها ..
والحقيقة أنه لأول مرة يتم ظهور القواعد المصرية بالخليج بشكل واضح ورسمي أمام الجميع وإن كانت موجودة منذ فترة ، فلا يتعين على أحد أن يتفاجأ ، وهو الأمر الذى ينطوي فيه هذا الظهور على رسائل رعب رادعة تكشف حجم القوة الحقيقية للجيش المصري المعروفة قوته دائما إلا أن هذا الجيش فى عهد السيسى أصبح مرعباً ومخيفاً وقادراً على توفير الحماية لبلده ومناطق كاملة ، وما يشاهده المرء أو يتم الإعلان عنه من قدرات الجيش المصري لا يمثل سوى 40 فى المائة من قوته الحقيقية ، بما يضمن تأمين الممرات والمياة الإقليمية والخطوط الإستراتيجية ..
ورغم أن هناك محاولات للضغط على مصر من أجل تدخل بري ، لأن أعينهم دائماً على القوات البرية المصرية والمعروفه عالمياً كأحد أقوى الجيوش البرية فى العالم لإرتفاع التصنيف القتالى للجندي المصري ، إلا أن مصر ومنذ نكسة 67 قد أخذت على نفسها عهداً بعدم الدفع بجيشها خارج الحدود إلا عندما يتعلق الأمر بحدث وجودي وخطر إستراتيجي حقيقى ، ولهذا فإن كل تحرك مصري يتم بحسابات دقيقة وليس بردود أفعال عشوائية..
وليس خافياً أن الخليج دائماً ما يريد أن تكون مصر فى حالة إحتياج له وهو ما يفسر سبب بعض المواقف شبة العدائية تجاه مصر لأنه يعلم جيداً أن مصر هى حائط السد الأخير المنيع للمنطقة بكاملها ، ويعلم أيضاً أن الظروف الإقتصادية المصرية تجعل من أولويات الدولة المصرية عدم سقوط الخليج والدفاع عنه مهما كانت التحديات ..
فمصر تتحرك اليوم بعقيدة عسكرية هادئة تعتمد على الفعل لا القول لتأمين مصالحها الحيوية فى ثلاث دوائر مشتعلة : ففى الصومال فرضت واقعاً عسكرياً جديداً بآلاف الجنود لقطع الطريق أمام الأطماع الأثيوبية وتأمين مداخل البحر الأحمر ، وفى ليبيا إنتقلت من مرحلة الخطوط الحمراء إلى قيادة مناورات دولية فى قلب سرت لضمان إستقرار عمقها الغربي ، أما فى الخليج فإن قواعدها العملاقة وشراكاتها العسكرية المتنوعة يمنحها القدرة على حماية الملاحة والتوازن الإقليمي دون ضجيج إعلامي ، مما يؤكد أن القاهرة إستعادت دورها الإقليمى فى المنطقة لأنها تتحرك في صمت وتضرب بدقة عند الضرورة لحماية أمنها القومي الممتد من باب المندب إلى المتوسط لتأمين دوائر أمنها القومي بعيداً عن الدعاية الإعلامية والتهويل …










