أخبار العالمالرئيسيةرياضة
أوروبا تغضب من إنفانتينو.. اتهامات بتسييس فيفا لخدمة أجندة ترامب 2026

موجة اعتراض أوروبية تتهم إنفانتينو بتجاوز حدود الحياد الرياضي والانحياز الصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أزمة غير مسبوقة هزت أركان الاتحاد الدولي لكرة القدم ووضعت مصداقيته على المحك، حيث تصاعدت الانتقادات الموجهة لجاني إنفانتينو من عواصم القرار في القارة العجوز، التي رأت في سلوك رئيس الفيفا خروجاً صارخاً عن المبادئ التأسيسية للمنظمة التي يجب أن تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المعقدة التي يعيشها العالم، مما يجعل من كرة القدم ضحية للتوظيف الأيديولوجي بدلاً من أن تبقى لغة عالمية توحد الشعوب وتقرّب بين الثقافات، في انحراف خطير عن الرسالة السامية التي وُجدت من أجلها اللعبة الأكثر شعبية على وجه الأرض.
وتتزامن موجة اعتراض أوروبية تتهم إنفانتينو مع انطلاق مونديال 2026 الذي يُفترض أن يكون عرساً كروياً عالمياً يجمع البشرية تحت راية الرياضة، لكن الأجواء الاحتفالية طغت عليها هذه الأزمة السياسية التي كشفت عن انقسام عميق داخل الأسرة الكروية الدولية، حيث يقف إنفانتينو في خندق واحد مع الإدارة الأمريكية الجديدة، بينما تعبر القارة الأوروبية عن استيائها المتزايد من هذا الانحياز الواضح الذي يمس جوهر عمل الفيفا كمنظمة دولية مستقلة، مما يطرح تساؤلات وجودية حول مستقبل المؤسسة الكروية الأم وقدرتها على الحفاظ على استقلاليتها في ظل الضغوط السياسية المتزايدة من مختلف القوى العالمية.
موجة اعتراض أوروبية تتهم إنفانتينو بتجاوز حدود الحياد الرياضي
وجاءت شرارة هذه الأزمة عندما كشفت منظمة “فير سكوير” البريطانية المدافعة عن حقوق الإنسان، عن رسالة رسمية وجّهها خمسون نائباً أوروبياً إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، يطالبون فيها بفتح تحقيق عاجل وشامل في الملابسات التي أحاطت بمنح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “جائزة فيفا للسلام” المستحدثة، في خطوة أثارت دهشة واستغراب الأوساط الرياضية العالمية، خاصة أن هذه الجائزة لم تُعلن معاييرها ولا آليات منحها من قبل الفيفا، مما يجعلها تبدو كمجاملات سياسية أكثر منها تكريماً لجهود حقيقية في مجال السلام الدولي، في وقت يشهد فيه العالم أزمات إنسانية متعددة تستدعي موقفاً أكثر جدية وموضوعية من المؤسسة الكروية العالمية.
وقد أُعلن عن هذه الجائزة المثيرة للجدل خلال حفل قرعة مونديال 2026 الذي احتضنته الولايات المتحدة في دجنبر الماضي، في أجواء احتفالية لم تخفِ حالة الذهول التي انتابت الحاضرين والمتابعين، حيث بدا منح هذه الجائزة لترامب قراراً سياسياً بامتياز يخدم مصالح إنفانتينو الشخصية أكثر مما يعكس قيماً رياضية أو إنسانية، مما دفع منظمة “فير سكوير” إلى إحالة الملف إلى لجنة الأخلاقيات في الفيفا، مطالبةً بتطبيق القانون على رئيس الاتحاد نفسه، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم الغضب الأوروبي من السلوك الذي بات يتسم به إنفانتينو في تعامله مع القضايا الحساسة.
موجة اعتراض أوروبية تتهم إنفانتينو بانتهاك مدونة الأخلاقيات
وتستند هذه الانتقادات الأوروبية إلى وقائع متعددة تكشف نمطاً متصاعداً من الانحياز السياسي، حيث لم يكتفِ إنفانتينو بحضور حفل تنصيب ترامب في يناير 2025 بصفته المسؤول الرياضي الوحيد في العالم، بل تعدى ذلك إلى إطلاق تصريحات متتالية تمجد الرئيس الأمريكي وتذهب إلى حد المطالبة بمنحه جائزة نوبل للسلام، في تدخل صريح في الشؤون السياسية الأمريكية يتنافى مع واجب الحياد المنصوص عليه في المادة 15 من مدونة أخلاقيات الفيفا، مما يجعل من رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم طرفاً في الصراع السياسي الداخلي الأمريكي بدلاً من أن يبقى محايداً يمثل القيم الرياضية العالمية.
وتجلى هذا الانحياز بشكل صارخ في فبراير الماضي، عندما ظهر إنفانتينو في الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام الذي أسسه ترامب، مرتدياً قبعة حمراء تحمل شعارات “USA” و”45-47″ في إشارة واضحة إلى ولايتي ترامب، في صورة انتشرت على نطاق واسع وأثارت موجة سخرية وانتقادات لاذعة في أوروبا، حيث اعتُبرت هذه اللقطة دليلاً قاطعاً على تحول رئيس الفيفا إلى مناصر سياسي علني للإدارة الأمريكية، في تجاوز لكل الأعراف الدبلوماسية والرياضية التي كانت تميز المنصب عن باقي المناصب السياسية الأخرى.

موجة اعتراض أوروبية تتهم إنفانتينو تواجه صمتاً مطبقاً من فيفا
ورغم حجم هذه الانتقادات، اختار الفيفا الصمت المطبق تجاه كل هذه الاتهامات، حيث لم يصدر أي رد رسمي لا على رسالة النواب الأوروبيين ولا على شكوى منظمة “فير سكوير” الجماعية التي جمعت خمسة آلاف توقيع في أسبوع واحد فقط، في تجاهل يعكس إما الثقة المفرطة لإنفانتينو في موقعه القوي، أو الإدراك بأن أي رد قد يفتح باباً لنقاش لا يمكن السيطرة عليه، مما يجعل المؤسسة الكروية العالمية تبدو وكأنها تخضع لسلطة فرد واحد يتصرف وفق أهوائه الشخصية دون محاسبة أو رقابة، في نموذج إداري يثير القلق حول مستقبل الحوكمة في أكبر منظمة رياضية في العالم.
ويبدو أن الاتحاد النرويجي لكرة القدم هو الوحيد الذي تجرأ على مواجهة هذا الوضع، حيث أعلنت رئيسته ليزه كلافينيس دعمها الكامل لمبادرة “فير سكوير”، واصفة الوضع بـ”الشيء غير الصحي” الذي يجعلها تشعر بأنها “رهينة”، مضيفة بأن “الإمبراطور ليس فقط عارياً، بل يقودنا نحو اتجاه خطير”، في تشبيه قوي يعكس عمق القلق الذي يسود الأوساط الرياضية الأوروبية من المسار الذي تسلكه قيادة الفيفا تحت رئاسة إنفانتينو، الذي يبدو أنه أصبح فوق المساءلة والمحاسبة.
موجة اعتراض أوروبية تتهم إنفانتينو تكشف عن شبكة مصالح معقدة
ويكشف المحللون أن قوة إنفانتينو تستمد من الشبكة المالية المعقدة التي نسجها مع الاتحادات الوطنية، حيث تعهد الفيفا بمنح كل اتحاد وطني ما يصل إلى 8 ملايين دولار خلال دورة 2023-2026، وهو تدفق مالي غير مسبوق يخلق نوعاً من التبعية الاقتصادية تجعل من الصعب على هذه الاتحادات معارضة سياسات الرئيس أو حتى التعبير عن انتقاداتها بصوت عالٍ، في معادلة مالية تخنق أي محاولة للإصلاح أو التغيير من الداخل، وتحول المؤسسة الكروية العالمية إلى ما يشبه الإمبراطورية الشخصية التي يديرها رئيسها وفق رؤيته الخاصة دون قيود أو ضوابط حقيقية.
وتشير التقديرات إلى أن هذا النفوذ المالي هو ما يفسر العزلة التي يعيشها الاتحاد النرويجي في موقفه الأخلاقي، حيث تتردد غالبية الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 210 في الانضمام إلى أي مبادرة انتقادية ضد إنفانتينو خوفاً من فقدان الدعم المالي الذي أصبح شريان حياة لكثير منها، في واقع مرير يكشف عن تحول الفيفا من منظمة رياضية تخدم المصالح الجماعية إلى أداة بيد رئيسها يوزع منها المكاسب ويشتري بها الولاءات، مما يقوض الأسس الديمقراطية التي بُنيت عليها المؤسسة منذ نشأتها.
موجة اعتراض أوروبية تتهم إنفانتينو قد تتحول إلى أزمة قضائية
وقد تتجاوز تداعيات هذه الأزمة الإطار السياسي والأخلاقي لتتحول إلى معركة قضائية حقيقية، حيث تنظر المفوضية الأوروبية حالياً في شكويين منفصلتين موجهتين ضد الفيفا، الأولى تتعلق بالجدول الدولي للمباريات منذ عام 2024، والثانية تتعلق بتسعير تذاكر مونديال 2026، وكلتاهما تحملان إمكانية فرض قيود قانونية صارمة على ممارسات الفيفا، في تطور قد يغير بشكل جذري معادلة القوى داخل المؤسسة الكروية العالمية ويحد من الاستقلالية المطلقة التي يتمتع بها إنفانتينو حالياً.
وتتزامن هذه التطورات القضائية مع استعداد إنفانتينو للترشح لولاية جديدة في مارس المقبل، حيث يبدو واثقاً من فوزه بفضل القبضة الحديدية التي أحكمها على مفاصل المؤسسة من خلال مغازلته المتتالية للقوى العالمية الكبرى، من روسيا إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى الولايات المتحدة، في استراتيجية جيوسياسية معقدة جعلته يتجاهل أوروبا التي تمثل القاعدة التاريخية للفيفا، مما قد يكلفه غالياً على المدى الطويل إذا ما تصاعدت الضغوط الأوروبية وتحولت إلى تحركات ملموسة داخل أروقة المؤسسة.
تُجسد موجة اعتراض أوروبية تتهم إنفانتينو أزمة وجودية حقيقية يعيشها الاتحاد الدولي لكرة القدم، حيث تتصاعد الأصوات المطالبة بعودة المؤسسة إلى مبادئ الحياد والاستقلالية التي تأسست عليها، في مواجهة تيار تسييس يهدد بنسف كل ما بُني على مدى عقود من العمل الدؤوب.
ويبقى الرهان الأكبر على قدرة الأوساط الرياضية الأوروبية على تحويل هذا الاحتجاج إلى إصلاح حقيقي يضمن شفافية وحياد الفيفا، أو على استمرار الانزلاق نحو التسييس الذي قد يفقد اللعبة الأكثر شعبية في العالم بريقها ورسالتها النبيلة.
إن مستقبل كرة القدم العالمية يتوقف على مدى جدية الفيفا في معالجة هذه الأزمة، والقدرة على إعادة التوازن بين البعد الرياضي والبعد السياسي، بما يحفظ للمؤسسة مكانتها كمنبر عالمي يوحد الشعوب ويقرّب بين الثقافات، بدلاً من أن تتحول إلى أداة في يد هذا الطرف أو ذاك.










