أخبار العالمالرئيسيةصحة
إصلاحات جذرية في مهنة الطب.. الحكومة تعيد هيكلة هيئة الأطباء 2026

الحكومة تعيد هيكلة هيئة الأطباء في خطوة إصلاحية شاملة تعيد رسم الخارطة الانتخابية والرقابية والتنظيمية لمهنة الطب في المملكة، حيث أقرت تعديلات جوهرية عبر مشروع القانون رقم 045.26 الذي يقضي بتغيير وتتميم القانون الحالي رقم 08.12 المتعلق بالهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء، بما يتلاءم مع إحداث المجموعات الصحية الترابية وتطوير المنظومة الصحية الوطنية، في إصلاح طال انتظاره من قبل المهنيين والمواطنين على حد سواء، ويهدف إلى القضاء على الممارسات السلبية التي شابت تدبير الهيئة في السنوات الماضية، وتعزيز الشفافية والحكامة في تسيير شؤون المهنة، وضمان تمثيل عادل لجميع الأطباء على مستوى التراب الوطني، مما يعكس الإرادة السياسية القوية للحكومة في إصلاح القطاع الصحي وتجويده، بما يخدم المصلحة العامة ويضمن تقديم خدمات صحية ذات جودة عالية لجميع المغاربة، في وقت تشهد فيه المنظومة الصحية الوطنية تحولات كبرى تتطلب تكييف المؤسسات المهنية مع المتطلبات الجديدة.
ويُعد مشروع القانون هذا من أهم الإصلاحات التشريعية التي عرفها القطاع الصحي في السنوات الأخيرة، حيث يمس جوهر التنظيم المهني للأطباء ويضع أسساً جديدة للعمل النقابي والرقابي داخل الهيئة، في محاولة جادة لإنهاء ما كان يُعرف بـ”ريع المناصب” الذي ظل سائداً لسنوات طويلة، حيث كان بعض الأعضاء يتشبثون بمناصبهم لعقود دون تجديد ديمقراطي حقيقي، مما أفرز ممارسات مشبوهة وأضعف من دور الهيئة في الدفاع عن مصالح المهنة والارتقاء بالخدمات الصحية، مما يجعل من هذه الإصلاحات خطوة شجاعة في اتجاه إعادة الاعتبار لمهنة الطب وهيبتها، وتعزيز ثقة المواطنين في المنظومة الصحية الوطنية، وتوفير إطار قانوني واضح وشفاف يحدد الحقوق والواجبات بدقة، ويضع حداً للفوضى والارتجال الذي كان يطبع بعض جوانب تدبير شؤون المهنة.

الحكومة تعيد هيكلة هيئة الأطباء وتفرض شروطاً صارمة للترشح
وتكمن أبرز مستجدات المشروع في فرض شروط صارمة للترشح، حيث نصت المادة 6 على تحديد مدة انتداب أعضاء المجلس الوطني والمجالس الجهوية في 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، مع منع ترشح كل من قضى مدتين انتدابيتين، في إجراء ثوري يهدف إلى تجديد دماء الهيئة وضخ دماء جديدة في أجهزة التقرير، ومنع الاحتكار الذي كان سائداً في السابق، حيث ظل بعض الأعضاء في مناصبهم لفترات طويلة تجاوزت عقدين من الزمن، مما خلق نوعاً من “ريع المناصب” الذي أضر بمصداقية الهيئة وأضعف من قدرتها على التجديد والتطور، كما اعتمد القانون نظام الاقتراع الفردي بالأغلبية النسبية في دورة واحدة، في تبسيط للإجراءات الانتخابية وتعزيز للشفافية، مع تخصيص ثلث المقاعد على الأقل للطبيبات كآلية تضمن مقاربة النوع داخل الأجهزة التقريرية، في خطوة إيجابية تعكس الاهتمام بإشراك المرأة في مواقع القرار المهني، وتكريساً لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص الذي تكرسه المواثيق الدولية وتشجع عليه السياسات العمومية الوطنية.
ويُعتبر هذا التحديد لمدة الانتداب من أهم الإصلاحات التي جاء بها المشروع، حيث أنه يضع حداً للتشبث بالمناصب الذي كان يُنظر إليه على أنه أحد أسباب الركود الذي عرفته الهيئة في بعض الفترات، كما أنه يفتح الباب أمام أجيال جديدة من الأطباء لتقديم أفكارهم ومشاريعهم الإصلاحية، في تجديد حيوي يُتوقع أن ينعكس إيجاباً على أداء الهيئة وقدرتها على الاستجابة لتحديات القطاع الصحي المتزايدة، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع من رقمنة وتأمين صحي شامل وإصلاح المستشفيات العمومية، مما يتطلب قيادة مهنية شابة وديناميكية قادرة على مواكبة هذه التحولات والمساهمة في نجاحها.
الحكومة تعيد هيكلة هيئة الأطباء وتشدد على العقوبات
وفي إجراء لضبط التزامات المنتسبين، منحت المادة 9 للهيئة سلطة توقيف الطبيب(ة) عن مزاولة المهنة تلقائياً في حال التخلف عن أداء واجب الاشتراك السنوي بعد انصرام أجل 30 يوماً من تاريخ الإعذار، في تشديد يعكس جدية الحكومة في إلزام جميع الأطباء بالانخراط في الهيئة واحترام قوانينها، ومكافحة ظاهرة التهرب من الواجبات التي كانت تؤثر سلباً على مالية الهيئة وقدرتها على أداء مهامها، كما أن هذا الإجراء يهدف إلى ضمان تمثيل حقيقي لجميع الممارسين للمهنة داخل الهيئة، ومنع أي طبيب من الاستفادة من مزايا الانتماء إلى المهنة دون المساهمة في تحمل أعباء الهيئة، مما يعزز مبدأ التكافل المهني والتضامن بين الأطباء.
ولم يقف الحد عند التوقيف، بل يمتد الإجراء إلى تعليق العمل بالرقم الاستدلالي الوطني للطبيب عبر مراسلة الهيئة المكلفة بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض (AMO)، مما يحرم الطبيب المخالف من فوترة الخدمات الطبية لفائدة المرضى حتى تسوية وضعيته، في إجراء ردعي قوي يمس الجانب الاقتصادي للمخالف، ويجعله مضطراً لتسوية وضعيته بسرعة إذا أراد مواصلة ممارسة مهنته بشكل قانوني، مما يعكس التوازن الدقيق الذي يسعى المشروع لتحقيقه بين حقوق الأطباء وواجباتهم، وبين حماية مصالح المهنة وضمان حقوق المرضى في الحصول على خدمات صحية من ممارسين مرخص لهم ومنخرطين في الهيئة، في مقاربة متكاملة تعزز الحكامة الجيدة والشفافية في تسيير شؤون المهنة.
الحكومة تعيد هيكلة هيئة الأطباء وتنظم العمل خارج النفوذ الترابي
وحرصاً على ضبط جودة الخدمات وتوزيعها العادل، حظرت المادة 91 على أطباء القطاع الخاص إجراء أي فحوصات أو عمليات جراحية أو القيام بالحراسة الطبية خارج النفوذ الترابي للمجلس الجهوي المقيدين به دون الحصول على إذن مسبق من المجلس الوطني، في إجراء يهدف إلى مكافحة ظاهرة “الطب المتجول” التي كانت تثير العديد من المشاكل، من غياب للمتابعة المستمرة للمرضى، إلى صعوبة في مراقبة جودة الخدمات المقدمة، إلى منافسة غير شريفة بين الأطباء، مما كان يؤثر سلباً على جودة الرعاية الصحية ويعرض صحة المواطنين للخطر، كما أن هذا الإجراء يهدف إلى ضمان توزيع عادل للأطباء على مستوى التراب الوطني، ومنع التركيز المفرط لهم في المدن الكبرى على حساب المناطق النائية والقرى التي تعاني من خصاص حاد في الخدمات الصحية.
ومع فتح مساطر تأديبية صارمة وإمكانية إخطار النيابة العامة في حالة المخالفة، يُرسل المشروع رسالة واضحة لجميع الأطباء بضرورة احترام القوانين والتنظيمات المعمول بها، وأن أي تجاوز سيقابله حزم وصرامة في تطبيق العقوبات، في مقاربة تعزز الانضباط المهني وتحمي حقوق المرضى والمهنيين على حد سواء، كما أن هذا الإجراء يهدف إلى تعزيز الثقة بين المواطنين والمهنيين الصحيين، من خلال ضمان أن كل طبيب يمارس في الإطار القانوني المحدد وتحت رقابة الهيئات المختصة، مما يعزز جودة الخدمات الصحية ويحمي صحة المواطنين من أي ممارسات مشبوهة أو غير قانونية.
الحكومة تعيد هيكلة هيئة الأطباء وتواكب التطور التكنولوجي
ومواكبة للتطور التكنولوجي، شرّع القانون التصويت والمشاركة عن بُعد عبر وسائل الاتصال السمعي البصري لاحتساب النصاب القانوني للأعضاء في الاجتماعات، في خطوة عصرية تعكس إدراك المشرع لأهمية التكنولوجيا في تسهيل عمل المؤسسات وتعزيز فعاليتها، خاصة في ظل التحديات اللوجستية التي كانت تحول دون حضور جميع الأعضاء للاجتماعات، مما كان يؤثر على شرعية القرارات المتخذة وعلى تمثيلية الأجهزة التقريرية، كما أن هذه الخطوة تسهل مشاركة الأطباء المقيمين في المناطق النائية أو الذين لديهم ارتباطات مهنية تمنعهم من التنقل بشكل متكرر، في تعزيز للديمقراطية الداخلية داخل الهيئة وضمان تمثيل أوسع لجميع الأعضاء في اتخاذ القرارات المصيرية.
كما تم إحداث مؤسسة “الجمعية العامة للمجالس” لتعنى برسم خطط عمل الهيئة وتقييمها، في هيكلة جديدة تهدف إلى تعزيز التنسيق بين المجالس الجهوية والمجلس الوطني، وضمان انسجام السياسات والبرامج على مستوى التراب الوطني، كما أن هذه المؤسسة ستلعب دوراً مهماً في تقييم أداء الهيئات المختلفة واقتراح التحسينات اللازمة، في مقاربة تشاركية تعزز الشفافية والمحاسبة، كما تم فتح الباب أمام المجالس لتلعب دور الوساطة لفض النزاعات ودياً بين المرضى والأطباء قبل اللجوء إلى ردهات المحاكم، في آلية جديدة تهدف إلى تخفيف العبء على القضاء وتسريع حل النزاعات بطريقة أكثر مرونة وودية، مما يحفظ كرامة المهنة ويحافظ على العلاقة الثقة بين الطبيب والمريض.
الحكومة تعيد هيكلة هيئة الأطباء وتحدد آجالاً للانتخابات
ونصت المقتضيات الانتقالية للمشروع على استمرار المجالس الحالية في تصريف الأعمال إلى حين تنصيب الهياكل الجديدة، في ضمان لاستمرارية عمل الهيئة وعدم توقفها أثناء فترة الانتقال، مما يحمي مصالح الأطباء والمرضى على حد سواء، على أن تُنظم الانتخابات الشاملة للمجالس الجهوية والوطنية في أجل أقصاه 6 أشهر من تاريخ دخول القانون حيز التنفيذ عقب نشر نصه التنظيمي في الجريدة الرسمية، في آجال واضحة ومحددة تعكس جدية الحكومة في تنفيذ الإصلاح بسرعة وفعالية، دون تأخير أو مماطلة، مما يُتوقع أن يعطي دينامية جديدة للهيئة ويضعها على مسار الإصلاح الحقيقي الذي يتطلع إليه جميع المهنيين.
وتُعتبر هذه المرحلة الانتقالية حاسمة في نجاح الإصلاح، حيث أنها تتطلب تحضيرات لوجستية وتنظيمية دقيقة لضمان تنظيم انتخابات شفافة ونزيهة تعكس الإرادة الحقيقية للأطباء، وتفرز قيادة مهنية قادرة على تحمل المسؤولية وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، في تحدٍ كبير يتطلب تعبئة جميع الموارد وتعاون جميع الأطراف، من وزارة الصحة إلى وزارة الداخلية إلى الهيئة الوطنية نفسها، لضمان نجاح هذه المحطة المفصلية في تاريخ المهنة، التي يُتوقع أن تنعكس إيجاباً على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين وعلى مكانة المهنة وهيبتها.









