
العقوبات الأميركية: الإخوان والسقوط من القمة
تقرير: ضحى ناصر
لم يكن إعلان الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية عزمهم تصنيف جماعة “الإخوان المسلمين” كمنظمة إرهابية خطوة مفاجئة، بل تحركًا تأخر كثيرًا في نظر العديد من الشركاء الإقليميين، وفي مقدمتهم دولة الإمارات العربية المتحدة التي حذّرت مرارًا من خطورة الأيديولوجية التي تمثلها الجماعة، تلك الأيديولوجية التي تتخفى تحت عباءة الدين لتطرح مشروعًا شموليًا استبداديًا يهدف إلى السيطرة الفكرية والسياسية على المجتمعات.
فكر البنا: من الدعوة إلى العنف
ولفهم مآل تلك الجماعة علينا العودة إلى تاريخ تأسسيها في عام 1928 على يد حسن البنا الذي تبنّى مبدأ “الوصاية” لتطبيق الشريعة وفق فهمه الخاص. ومع مرور الوقت، تحولت الجماعة من كيان دعوي إلى تنظيم سري مسؤول عن عمليات اغتيال سياسية، مثل اغتيال رئيس الوزراء المصري أحمد ماهر باشا عام 1945، والنقراشي باشا عام 1948.
وفي الستينات، تحوّل كتاب “معالم في الطريق” لسيد قطب إلى المرجع الفكري للعنف الجهادي، مُلهمًا التنظيمات المسلحة التي ستعود لاحقًا للاندماج تحت لواء الجماعة الأم في منتصف الألفينات.
الأيديولوجية الإخوانية: سلطة بوجه ديني
استخدمت الجماعة الدين كوسيلة للوصول إلى الحكم، وهو ما تجلى في تجربتها بمصر بعد 2011، حين قدمت نفسها كضحية ثم كثائر ثم كسلطة “إسلامية ديمقراطية”، قبل أن تنكشف نزعتها الاستبدادية عبر الإعلان الدستوري المكمل وإقالة النائب العام.
ومع فشلها في زرع الانقسام الطائفي، نجحت في تقسيم المجتمع من الداخل، ما سهّل لها السيطرة على الفئات الهشة قبل سقوطها.
التراجع والانقسام
بينما شكّل سقوط حكم محمد مرسي نقطة الانحدار الكبرى، إذ كشفت التجربة الفجوة بين الشعارات والممارسات، فيما نجحت الدولة المصرية في تفكيك البنية التنظيمية والمالية للجماعة. ومع تصاعد الخلاف بين جبهتَي إسطنبول ولندن، بدا الانقسام الداخلي واضحًا وضعف التنظيم غير مسبوق.
الإخوان تحت المجهر الأوروأميركي
ويرى محللون أن التحرك الأوروأميركي الأخير يمثل ضربة قاصمة لتنظيم يترنح منذ سنوات، خاصة بعد وفاة يوسف ندا، أحد أبرز عقول الجماعة. ويتوقع أن تشمل التبعات تشديد الرقابة الاستخباراتية، وفرض عقوبات على الكيانات التابعة، وإعداد قوائم بفروعهم حول العالم، ما قد يدفع دولًا أوروبية أخرى لاتخاذ إجراءات مشابهة.
وتُعد هذه الخطوة تحولًا نوعيًا في تعامل الغرب مع الجماعة، إذ ستجد نفسها محاصَرة سياسيًا وماليًا، وإن ظل التحدي الأكبر في استمرار فكرها الأيديولوجي عبر قنوات غير رسمية، خصوصًا مع تراخي بعض العواصم الأوروبية وعلى رأسها لندن.
لماذا تراخت لندن؟
يقول الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية منير أديب في تصريحات لـ”العالمية نيوز” إن بريطانيا ما زالت تتبنى موقفًا متساهلًا تجاه الجماعة لأسباب تتعلق بمصالحها في الشرق الأوسط، واستخدامها التنظيم كأداة لتنفيذ أجنداتها السياسية منذ عقود.
سر الموقف الأميركي المتغير
أما الولايات المتحدة، فقد اتخذت مسارًا أكثر حزمًا. يقول الأكاديمي الأميركي أدريان كالاميل لـ”العالمية نيوز” إن تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية “مفهوم، لكن توقيته مثير للتساؤل”، مرجحًا أن السبب هو رؤية ترامب لتأثير الجماعة في الجامعات والشارع الأميركي.
وأشار إلى أن القرار سيسمح بفرض عقوبات وتجميد تمويل ومنع تأشيرات، متوقعًا تدقيقًا موسعًا في منظمات غير ربحية مثل “كير”، وربما إغلاق بعضها نهائيًا.
وأكد أن القرار يمثل ضربة قوية للتنظيم ماليًا وتنظيميًا، لكنه لا يكتمل دون مواجهة فكر الجماعة عبر بناء منظومة فكرية وثقافية بديلة تحصّن المجتمعات من التطرف.
وعليه فأن الموقف الأميركي والأوروبي الجديد يظهر أن مرحلة التسامح مع جماعة الإخوان قد انتهت، لتحل محلها سياسة احتواء وحصار شاملة تستهدف التنظيم ماليًا وسياسيًا وفكريًا. لكنّ الحسم الحقيقي لن يتحقق إلا حين تُواجَه الأيديولوجية التي أنتجت هذا المشروع، عبر مبادرات فكرية وتربوية تزرع قيم الاعتدال، وتمنع عودة التطرف في أي ثوب جديد.



















