alalamiyanews.com

أخبار العالمالرئيسيةمنوعات

المغرب يحتفي بالذكرى 69 لطريق الوحدة

87 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث
المغرب يخلد ذكرى طريق الوحدة في حدث تاريخي يجسد قيم التضامن والتطوع والوحدة الوطنية، حيث يحتفل الشعب المغربي ومعه أسرة المقاومة وجيش التحرير بالذكرى التاسعة والستين لإعطاء انطلاقة أشغال بناء طريق الوحدة التي شكلت منعطفاً حاسماً في تاريخ المغرب الحديث غداة استقلاله، وعنواناً بارزاً من عناوين “الجهاد الأكبر” الذي أعلن عنه بطل التحرير والاستقلال المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه في خطابه التاريخي عند عودته من المنفى إلى أرض الوطن، في مبادرة وطنية كبرى جسدت الإرادة الجماعية للشعب المغربي في بناء دولته الحديثة وتوحيد ترابه الوطني بعد قرون من التجزئة والاستعمار.
ففي يوم 15 يونيو 1957 وجه الملك الراحل رحمه الله من مدينة مراكش نداءً تاريخياً إلى الشباب المغربي لاستنهاض الهمم وإذكاء العزائم من أجل التطوع في إنجاز مشروع وطني ضخم يهدف إلى ربط شمال الوطن بجنوبه، إذ قال أكرم الله مثواه: “…إن من بين المشاريع التي عزمنا على إنجازها لتدعيم التوحيد الحاصل بين منطقتي الوطن، شماله وجنوبه، إنشاء طريق بين تاونات وكتامة تخترق ما كان من قبل حداً فاصلاً بين جزأي الوطن الموحد، وذلك ما حذا بنا إلى أن نطلق عليه اسم طريق الوحدة…”، في إشارة بليغة إلى الأبعاد الرمزية والسياسية لهذا المشروع الذي تجاوز كونه مجرد بنية تحتية ليصبح علامة فارقة في مسار بناء الدولة الوطنية الحديثة.

المغرب يخلد ذكرى طريق الوحدة ويتذكر تجند الأمير مولاي الحسن

وبالمناسبة نفسها زف الملك الراحل نبأ تطوع سمو الأمير ولي العهد مولاي الحسن للمشاركة في ورش المشروع الوطني، حيث قال نور الله ضريحه: “…وإن ولي عهد مملكتنا الحسن أصلحه الله قد سجل اسمه أول متطوع جريا على مألوف عادته في تجنيد نفسه دائماً لخدمة المصالح العليا للشعب، والوقوف بجانب العاملين من أجل سعادته ورفاهية…”، في بادرة تاريخية جسدت القيادة بالقدوة والمثل الأعلى، حيث لم يكتفِ الأمير الشاب بالدعم المعنوي بل انخرط فعلياً في أشغال البناء والتشييد، مما شكل حافزاً قوياً لآلاف الشباب المغربي الذين تدافعوا للمشاركة في هذا المشروع الوطني الكبير.
وكان المغرب يتوفر غداة الاستقلال على شبكة طرقية يصل طولها إلى حوالي 20 ألف كلم، إلا أن توزيعها الجغرافي عبر التراب الوطني لم يكن يشمل كل المناطق، وكانت العلاقات بين أقاليم الشمال والجنوب تتسم بالطابع العرضي وانعدام الطرق الأفقية التي تخترق المنطقة الشمالية في اتجاه البحر الأبيض المتوسط، مما جعل هذه المناطق معزولة نسبياً عن باقي أجزاء الوطن، وهو وضع تطلب تدخلاً عاجلاً وحاسماً لربط أجزاء الوطن ببعضها البعض.

المغرب يخلد ذكرى طريق الوحدة ويستحضر التحديات التي رفعها

وطرح هذا المعطى مطلباً ملحا أمام مغرب الاستقلال، جعل المغفور له محمد الخامس يبادر إلى نهج سياسة مقدامة في مجال التجهيزات الطرقية من أجل تغيير البنيات الوظيفية التقليدية للطرق التي كانت ترتكز في السابق على خدمة مصالح المستعمر، وإعطاء الأولوية لبناء طرق بالأقاليم الشمالية والجنوبية لترقى إلى مستوى التجهيزات الموجودة وسط وغرب البلاد، في رؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق التوازن المجالي والعدالة الترابية بين مختلف مناطق المملكة.
وكان في مقدمة المشاريع المبرمجة إنشاء طريق شمال الوطن تربط بين تاونات ومركز كتامة على طول 80 كلم، أطلق عليها اسم طريق الوحدة، وكلمة “الوحدة” أو “التوحيد” التي ركز عليها المشروع لها دلالة رمزية كبرى، فبالإضافة إلى الربط المادي بين منطقتي الشمال والجنوب فإن تجميع الشباب المتطوعين لبنائها من مختلف جهات المغرب وتكتلهم وتعاونهم وتضامنهم بحماس اكتسى أهمية كبرى على الصعيد الوطني، تجسيداً لقيم الوحدة والتضامن والتعاون التي أراد المغفور له محمد الخامس ترسيخها في الوعي الجماعي للمغاربة.
المغرب يخلد ذكرى طريق الوحدة
المغرب يحتفي بالذكرى 69 لطريق الوحدة المشروع الوطني التاريخي

المغرب يخلد ذكرى طريق الوحدة ويتذكر تجند 12 ألف متطوع

وتجند لهذا المشروع الوطني الضخم 12 ألف شاب متطوع للعمل طيلة الأشهر الثلاثة للفترة الصيفية، بمعدل 4 آلاف شاب في كل شهر، ينتمون إلى سائر أرجاء الوطن من شماله إلى جنوبه، في مشهد فريد جسّد اللحمة الوطنية والتلاحم بين أبناء الوطن الواحد. ومثلت أوراش العمل مدارس للتكوين يتلقى فيها المتطوعون دروساً تربوية وتدريبات ميدانية وعسكرية، تجعل منهم مواطنين صالحين قادرين على تحقيق مشاريع عمرانية في مراكز سكناهم، وذلك تجسيداً لفكرة التجنيد والخدمة المدنية لبناء المغرب الحر المستقل.
وحظي هذا المشروع بتأطير بيداغوجي وتربوي لمنظومة التدبير وأعمال اللجان المختصة التي اشتغلت منذ نداء بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول المغفور له محمد الخامس، وهي لجنة قبول الطلبات وتوزيع الاستدعاءات وتنظيم المخيمات على طول الطريق، ولجنة المواد والتموين والمواصلات، في تنظيم محكم يعكس الجدية والاحترافية التي طبعت هذا المشروع الوطني منذ بدايته.

المغرب يخلد ذكرى طريق الوحدة ويستحضر التنظيم المحكم للمخيمات

كما تم تهييء المخيمات لاستقبال المتطوعين وتوفير جميع الضروريات المادية والصحية والثقافية، بحيث يستوعب كل مخيم 250 متطوعاً موزعين على 13 خيمة، وتضم كل خيمة 25 سريراً، وتسيرهم لجنة تضم التخصصات التربوية والفنية والعسكرية وشؤون التموين والطبخ والمواصلات، في نموذج رائد للتدبير والتخطيط الذي يجمع بين الصرامة العسكرية والروح الوطنية المتقدة.
وفي السياق ذاته اتخذت التدابير الصحية بتعيين ممرض في كل مخيم ومركز لتوزيع الأدوية عند الحاجة، وتم إسناد مهام تسيير المخيمات إلى قيادة عامة مقرها في منتصف الطريق –بموقع إيكاون– وتتكون من مندوب وخليفة وطبيب ومهندسين مسؤولين وضابط وكاتب عام، ومسؤولين عن الراديو والصحافة والسينما، ومسؤولين عن التموين والمواصلات والمياه والغابات والبريد ورجال المطافئ، والمحافظ على النظام الداخلي للحياة في المخيمات، بمشاركة المتطوعين أنفسهم بواسطة المندوبين المنتخبين عن كل خيمة، وإشراف لجنة من 16 شخصاً على كل ورش، في نموذج ديمقراطي تشاركي سبق عصره.

المغرب يخلد ذكرى طريق الوحدة ويستحضر الانطلاقة التاريخية

وصباح يوم الجمعة 5 يوليوز 1957 أعطى المغفور له محمد الخامس انطلاقة الورش الوطني لطريق الوحدة، معاينا على متن سيارة “جيب” معالم الطريق، كما أدى رحمه الله صلاة الجمعة بإيكاون، في لحظة تاريخية خالدة طبعت في ذاكرة المغاربة كرمز للوحدة والتلاحم الوطني.
واتسمـت مراحـل الإعـداد للمشروع بأنشطة مكثفة وأعمال رائدة لولي العهد الأمير مولاي الحسن آنذاك، الذي أولى عناية خاصة لتعبئة الشباب وشحذ الهمم وإذكاء العزائم، معطياً القدوة والمثال بانخراطه الفاعل في مهام الإشراف والتدبير والإنجاز، ولقاءاته بالشبيبة وحواراته معها حول فلسفة المشروع وأبعاده الوطنية كتحد ورهان يتحتم ربحه، في تجربة شكلت مدرسة حقيقية في القيادة والتواصل مع الشباب.
وأشرف المناضل والقائد الوطني والسياسي المهدي بنبركة على تأطير جموع المتطوعين الشباب الوافدين من كل أرجاء الوطن، لتلقينهم قيم العمل الوطني التضامني والتشاركي، وتربيتهم على الروح الوطنية والإخلاص في خدمة الوطن، بإرادية وطوعية ومواطنة صادقة، وسلوك مدني قويم بين مكونات المجتمع في النهوض بمشاريع تنموية رائدة وواعدة بالتقدم والازدهار، في نموذج فريد للتعبئة الوطنية الشاملة.

المغرب يخلد ذكرى طريق الوحدة ويستلهم دروسه للحاضر والمستقبل

وحفلت الشهور الثلاثة من يوليوز إلى أكتوبر 1957 بمظاهر التجند التام والعمل البناء، في غمرة الحماس الوطني العارم وأجواء التعبئة لإنجاز مشروع وطني تم اتخاذه واعتباره مدرسة رائدة لتلقين وإذكاء الروح الوطنية، وتأمين التكوين والتأهيل للقدرات والكفاءات، فضلاً عن الفضاءات التربوية والثقافية والفنية، ما أعطى مراحل الإنجاز إشعاعاً واسعاً لمشروع وطني ومجتمعي ذي أبعاد تنموية اجتماعية واقتصادية؛ وأكثر من ذلك لمشروع يمتد لبناء الإنسان وصقل مواهبه وقدراته ونشر قيم التضامن والتطوع والتكافل الاجتماعي والتعاون، وتفجير الطاقات الخلاقة على درب البناء والنماء وإعلاء صروح المغرب الجديد.
وفي مستهل شهر أكتوبر 1957 كان المغرب على موعد مع الحدث التاريخي المبشر بانتهاء أشغال طريق الوحدة، في غمرة الاعتزاز الوطني بهذا المنجز الكبير، الذي تكلل بخطاب المغفور له محمد الخامس في حفل استعراض متطوعي طريق الوحدة، حيث خاطب جمهور المتطوعين بقوله طيب الله ثراه: “لكم يطفح قلبنا سروراً وابتهاجاً ونحن نجتمع بكم اليوم، وقد تكللت أعمالكم ولله الحمد بالنجاح وبرزت للعيان نتائج جهودكم، وأشهدتم العالم على أن أبناء المغرب إذا تحملوا مسؤولية قاموا بها خير قيام، وإذا اتجهت همتهم إلى غاية مهما عظمت وعسرت فلا بد أنهم بالغوها”، في إشادة ملكية بالتفاني والإخلاص الذي طبّع أشغال المشروع.
وأضاف الملك الراحل معتزاً بهذا الإنجاز التاريخي الخالد مبرزاً دلالاته: “بفضل هذه الطريق المباركة تضاعفت وسائل الاتصال بين الشمال والجنوب، وتم التوحيد بينهما على صورة أكمل، ذلك التوحيد الذي طالما كافحنا من أجله وتحرقنا شوقاً إلى استرجاعه، وأي دليل أقوى على تعلق المغاربة بوحدتهم من هذه المشاركة في أعمال المتطوعين التي قام بها سكان هذه المناطق بحماسة وإيمان؟”، في كلمات خالدة تختزل فلسفة المشروع وأبعاده الحضارية.

أجل، إن الاحتفاء بهذه الذكرى واستحضار فلسفتها وأبعادها يستحث أجيال اليوم والغد لمواصلة مسيرات الحاضر والمستقبل ببلادنا، لإعلاء صروحها وتعزيز بنياتها وتحقيق تنميتها واندماجها الكلي اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وبشراً، بما يوطد أواصر الوحدة الترابية والجهوية المتقدمة والموسعة.
كما تغتنم أسرة المقاومة وجيش التحرير مناسبة الاحتفاء بهذه الذكرى الغالية لتعلن عن تأييدها التام وتعبئتها المستمرة ويقظتها الموصولة إلى جانب سائر فئات وأطياف المجتمع المغربي، وراء قائد البلاد المفدى الملك محمد السادس من أجل صيانة وحدتنا الترابية وتثبيت مكاسبنا الوطنية، واستلهام روح طريق الوحدة في بناء مغرب الغد المزدهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق

Subscribe to our Newsletter