تخطي إلى المحتوى الرئيسي

alalamiyanews.com

اراء و تحليلاتالرئيسية

حكيم حكماء العرب و”الفتى” المعجزة !!

72 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

 

     بقلم : د. محمد المنشاوي

“الحكمة” واحدة من أعلى العطاءات الإلهية للإنسان، وإلاّ ما قال الله تعالي:”يُؤتي الحكمة مَنْ يشاء، ومن يُؤت الحكمة، فقد أوتي خيرأً كثيراً” (البقرة 269) .
و”الحكيم” هو من جمع بين العلم والمعرفة والرُشد وسداد الرأي والقول الحق وإتقان العمل ووضع الأمور فى مواضعها الصحيحة، حتي يصبح بين الناس مرجعاً مرشداً.
و”أكثم بن صيفي” أحد رؤساء بني تميم البارزين، كان أشهر حكماء العرب قبل الإسلام، حتى إنه صُنف بحكيم العرب بلا منازع، فهو ابن رباح بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، أحد أشهر حكماء العرب في ذكر الأمثال والأقوال والأحكام التي أظهرت حكمته وفطنته ورجاحة عقله، والتي لطالما نالت إعجاب، حتى غير العرب، لدرجة دفعت كسرى لأن قال عنه: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى.
ولهذا حفلت الكثير من المراجع بسيرته وتاريخه بينها (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) لابن الجوزية و(السيرة النبوية) لابن هشام وكُتب (الأنساب) للسمعاني و(المحبر) لابن حبيب و(المعمرون والوصايا) للسمعاني وغيرها.
 ذات يومٍ كان أبو طالب بن عبد المطلب عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يطوف بالبيت الحرام ومعه الفتى “محمد” وهو في الرابعة عشرة من عمره، أى قبل البعثة النبوية بستةٍ وعشرين عاماً، فرآه أكثم ابن صيفي حكيم حكماء العرب، فقال لأبي طالب، وهو يتفحصه بنظرِه وفراسته:
ما أسرع ما شبّ أخوك يا أبا طالب ؟؟
فقال أبو طالب : ليس أخي بل ابن أخي عبد الله !! ..
فرد أكثم قائلاً : ابن الذبيح ؟؟
قال أبو طالب: نعم .
(( وابن الذبيح، تسمية أُطلقت على عبد الله، والد النبي صلى الله عليه وسلم عندما نذر أبوه عبد المطلب، وهو يحفر بئر زمزم؛ أن إذا رزقه الله بعشرة ذكور، فسيذبح أحدهم فداءً عند باب الكعبة، وعندما أتم أولاده العشرة، دعا عبد المطلب قريشاً لكي يفي بوعده أمام الجميع فجاءت قريش تشهد ذلك، وجاء بمن يجري القرعة على أولاده فخرجت القرعة أكثر من مرة على عبد الله الذي كان أصغر أولاده وأكثرهم جمالاً ووسامةً.. ونام عبد الله تحت قدمي والده إيذانا بالذبح.. وهاجت قريش وبكت النساء لفعل عبد المطلب… فاقترحت “عاتكة” ابنته علي والدها، أن يفديه بالإبل، وهذا قرباناً لله أيضاً، فقال عبد المطلب: كيف يا إبنتي فإنك مباركة.. فقد كانت عاتكة واحدة من بناته المسموع رأيها لرجاحة عقلها.. قالت له: لتجري قرعة على عشرة إبل مقابل عبد الله، فظل عبد المطلب يعمل القرعة حتى زاد عدد الإبل مقابل عبد الله إلى مائة، ووقعت فى النهاية علي الإبل، لكنه قال:لن أنفذ القرعة حتى تتأكد النتيجة ثلاث مرات، وحدث..عندئذٍ قال: اذبحوها جميعاً ولا تبقوا منها واحداً !!! عندها قام ولداه الزبير وأبوطالب بنزع أخيهما عبد الله من تحت ساق والدهم، حتى أن وجه عبد الله قد سُلخه تراب الأرض وسط بكاء النساء..ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم عن نفسه فى الحديث الذى أخرجه الحاكم والألباني عن روايه معاوية بن أبي سفيان: “أنا ابن الذبيحين”.. إشارة إلى والده عبد الله الذي فُودي بمائة من الإبل، فهو الذبيح الثاني، وجده إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام فهو الذبيح الأول الذى فداه لله بذبحٍ عظيم..).
أعود إلى الحوار بين أكثم بن صيفي وأبو طالب:
فعندما قال أبو طالب لأكثم حكيم حكماء العرب: نعم ، إبن الذبيح ..
فأخذ أكثم يتأمل الفتى “محمد”، ثم قال:
ما تقولون في فتاكم هذا يا أبو طالب ؟؟
فقال أبو طالب: إنا لنحسن الظن به، وإنه لحيُ جزيُ سخيُ وفيْ .
قال أكثم: أفغير ذلك يا ابن عبد المطلب ؟؟..
قال أبو طالب: إنا لنتَيمَن بمشهده، ونلتمس البركة فيما لمس بيده .
قال أكثم: أفغير ذلك يا ابن عبد المطلب ؟؟ .
قال أبو طالب: إن فتى مثله، حريُ به أن يسود ويتَحرف بالجود .
قال أكثم: أما أنا فأقول غير ذلك !!!
قال أبو طالب: قل يا حكيم العرب فإنك نفاث غيبٍ وجلاء ريبٍ !! .
قال أكثم : ما خُلق لهذا ابن أخيك، إلا أن يضرب العرب قاطمةً بيدٍ خابطةٍ ورجلٍ لابطةٍ ، ثم ينعق بهم إلى مرتعٍ مُريع وورد تشريع، فمن اخرورط إليه هداه، ومن اخرورق عنه أرداه .
وما إن عاد أكثم إلى أبنائه، حتى قصّ عليهم ما رآه في مكة ولقائه بالفتى “محمد” ابن الرابعة عشرة، وقال لهم: إنه لنبى، فإن خرج وأنا فيكم فإني ناصره، وإن خرج بعد موتي فعليكم باتباعة والامتثال إلى أمره.
وما أن بُعث النبي، صلي الله عليه وسلم، حتى خرج إليه أكثم وأولاده قاصداً مكة، وقد كان في ذلك الوقت طاعناً في السن، فوافته المنية في الطريق فمات، وقال لهم وهو يحتضر: دعوني والحقوا برسول الله، فقال أبناؤه: لنبقى معك حتى ندفنك ونسير إليه؟.. قال: أبلغوا رسول الله مني السلام ودعوا جسدي للطير أو للدود فإنهما يستويان !!
فلما دخلوا علي رسول الله صلي الله عليه وسلم بادرهم بالقول: الآن دفن أبوكم، ثم نزلت الآية: “ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً”(النساء 100) .
هكذا كان رأى حكماء العرب وغيرهم في رسولنا الأكرم، صلي الله عليه وسلم، حتى قبل أربعين عاماً على بعثته الشريفة، وعلى مدى مراحل عمره المبارك وعلاماته الإعجازية الظاهرة طفولة وفي الصبا والشباب، والتي كانت من السهولة على كل ذِي عقل أن يتلمسها وأن يتنبأ به ويستشعر معجزته صلى الله عليه وسلم.    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Subscribe to our Newsletter