alalamiyanews.com

حيث يعانق البحر السماء: قصة طائرة سوفييتية فوق شاطئ هندي

0 Shares
69 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

على شاطئ رامكريشنا (RK Beach) في مدينة فيزاغاباتنام (Visakhapatnam)، المعروفة بـ”فيزاغ”، تقف طائرة عملاقة شامخة كأنها تحرس الأفق إلى الأبد. إنها توبولوف Tu-142M، الطائرة السوفييتية الأسطورية التي خدمت في صفوف البحرية الهندية لأكثر من عقدين، ثم تحولت إلى متحف حي يجذب آلاف الزوار كل عام. هذا ليس مجرد عرض لقطعة معدنية قديمة، بل قصة تلاقي التاريخ العسكري مع السياحة الثقافية، حيث يلتقي صوت الأمواج بصمت الجناحين الواسعين، وتتحول السماء إلى ذكرى ملموسة على رمال الساحل الشرقي للهند.
افتتح المتحف رسميًا في ديسمبر 2017 على يد الرئيس الهندي السابق رام ناث كوفيند، بعد أن خدمت الطائرة 29 عامًا في البحرية الهندية (من 1988 حتى إيقافها في 2017)، مسجلة أكثر من 30,000 ساعة طيران بدون حوادث. اليوم، تقع على بعد أمتار قليلة من متحف الغواصة INS Kursura، مما يجعل المنطقة مجمعًا سياحيًا بحريًا فريدًا يعكس تراث الدفاع الهندي.
أندري توبولوف: العبقري الذي غيّر سماء العالم
قبل الدخول إلى الطائرة نفسها، يبدأ الزائر رحلته بتمثال ولوحات تعريفية عن أندري نيكولايفيتش توبولوف، مهندس الطائرات السوفييتي الأسطوري (1888-1972). ولد في قرية باستومازوفو قرب كيمري في روسيا، وتتلمذ على يد نيكولاي جوكوفسكي، مؤسس علم الديناميكا الهوائية الحديث.

مسيرته المبكرة: عمل مع جوكوفسكي من 1916 إلى 1918 على تطوير أنفاق الرياح، ثم تخرج بامتياز من الجامعة عام 1918.
التأسيس: أسس مع أستاذه معهد تساغي (TsAGI)، وتولى رئاسة قسم الطيران فيه.
ابتكاره الرئيسي: استبدل الأجزاء الخشبية في الطائرات بـالدورالومين (سبيكة معدنية خفيفة وقوية)، مما غير وجه صناعة الطيران السوفييتية.
مكتب التصميم: أسس مكتب توبولوف (OKB-156) في 22 أكتوبر 1922، الذي أنتج أكثر من 100 مشروع، منها 70 دخلت الإنتاج المتسلسل.

من أبرز إنجازاته:

ANT-20 “مكسيم غوركي”: أكبر طائرة في الثلاثينيات بثمانية محركات.
Tu-95 “Bear”: قاذفة استراتيجية بعيدة المدى لا تزال مستخدمة حتى اليوم.
Tu-144: أول طائرة ركاب supersonic سوفييتية (سابقة الكونكورد).
Tu-142: نسخة بحرية مطورة من Tu-95، متخصصة في الدوريات البحرية والحرب ضد الغواصات.

تاريخ Tu-142 في الخدمة الهندية: من السماء إلى الشاطئ
اشترت البحرية الهندية ثماني طائرات Tu-142M في الثمانينيات لتعزيز قدراتها في المراقبة البحرية وحماية السواحل الطويلة. كانت الطائرة مزودة بأربعة محركات توربينية مكبسية قوية، مما يمنحها مدى طيران يتجاوز 10,000 كم، وأنظمة رادار متقدمة، وصواريخ مضادة للغواصات، وسونوبويز (عوامات صوتية).

أول طيران هندي رسمي: في أكتوبر 1987، بقيادة الضابط فيسي باندي.
المهام: استطلاع بحري، مكافحة الغواصات، وحماية المياه الإقليمية خلال فترة الحرب الباردة وما بعدها.
الإنجاز: خدمت دون حوادث كبرى، مما يعكس متانتها وكفاءتها.

بعد إيقافها، قررت الحكومة الهندية (بالتعاون مع ولاية أندرا براديش) تحويل إحداها إلى متحف لتخليد تاريخها، وأصبحت جزءًا من مشروع تطوير السياحة في فيزاغ.


داخل المتحف: رحلة عبر أسرار الطائرة
يبدأ الزائر بقاعة عرض خارجية تضم معدات الطائرة المفككة بعناية:

محركات توربينية كبيرة.
أجهزة ملاحة وأنظمة رادار.
سونوبويز، صواريخ مضادة للغواصات، وأدوات بقاء.
مسجلات بيانات ومعدات اتصال.

ثم يدخل الزائر الطائرة عبر سلالم، ليجد نفسه داخل ممرات ضيقة مليئة بالتفاصيل:

مقاعد الطاقم (عادة 15 فردًا).
مراكز المراقبة والرصد.
قمرة القيادة مع أجهزة التحكم الأصلية.
أنظمة الاتصال والحرب الإلكترونية.

كل زاوية تروي قصة مسؤولية الطاقم في مهمات طويلة فوق المحيط، حيث كانت الطائرة “عين السماء” للبحرية.


الجاذبية السياحية: لماذا يزورها الجميع؟

الموقع: على شاطئ رامكريشنا، مقابل متحف الغواصة، مع إطلالة على البحر.
تكلفة الدخول: 70 روبية للكبار (حوالي 3-4 دراهم إماراتية)، 40 للأطفال، مع دليل صوتي مجاني.
التوقيت: يوميًا من 2 مساءً إلى 8:30 مساءً (الأحد من 10 صباحًا).
الإضافات: عرض 9D، ومن المتوقع إضافة هليكوبتر Sikorsky UH-3H قريبًا.

المتحف يجمع بين التعليم والترفيه، مثالي للعائلات والمهتمين بالطيران العسكري.
رمز للصداقة والتطور
Tu-142 في فيزاغ ليست مجرد طائرة محفوظة، بل شاهد على التعاون الهندي-الروسي في مجال الدفاع، وعلى انتقال التكنولوجيا السوفييتية إلى خدمة بلد آخر. حين تلتقي أمواج خليج البنغال بالجناحين الفضيين، تتذكر الهند تاريخها البحري، وتفتح أبوابها للأجيال الجديدة ليحلموا بالسماء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق