سجن رايكرز.. مأزق نيويورك
في قلب المدينة التي لا تنام، يقف مجمع سجني عُرف عالمياً بسوء سمعته ليُشكل صداعاً مزمناً لسلطات نيويورك. سجن رايكرز، الذي افتُتح قبل أكثر من تسعة عقود، أصبح اليوم رمزاً لفشل منظومة الاحتجاز الأمريكية، حيث تتراكم الوعود بالإغلاق دون تحقيق، بينما تستمر الأوضاع الإنسانية في التدهور يوماً بعد يوم، مما يُعيد طرح أسئلة جوهرية حول العدالة وحقوق الإنسان في واحدة من أعرق الديمقراطيات العالمية.
في أزمة إنسانية تتفاقم مع مرور الوقت. يواجه سجن رايكرز في نيويورك أزمة مركبة تجمع بين تدهور البنية التحتية وتفشي العنف وتعثر مشاريع الإغلاق، مما يجعله اختباراً حقيقياً لقدرة المدينة على إصلاح منظومتها السجنية.
وعد بالإغلاق لم يتحقق بعد
يعود الالتزام الرسمي بإغلاق سجن رايكرز إلى سنة ألفين وسبعة عشر، حين تعهدت بلدية نيويورك بإنهاء العمل بالمجمع بحلول غشت ألفين وسبعة وعشرين. وكانت الخطة تقضي بتعويض المرافق القائمة بأربعة سجون أصغر حجماً موزعة على أحياء مانهاتن وبروكلين وكوينز وبرونكس، في تصور يهدف إلى تحسين ظروف الاحتجاز وتقريب المؤسسات السجنية من المحاكم والخدمات الاجتماعية. غير أن هذا المشروع الطموح واجه عراقيل متعددة أفضت إلى تأخر كبير في التنفيذ.
وأرجعت إنشا رحمان، المسؤولة في معهد “فيرا للعدالة”، هذا التأخر إلى تداعيات جائحة كورونا والسياسات المتبعة خلال الولاية السابقة لبلدية نيويورك، معتبرة أن المشروع خسر أربع سنوات كاملة. ويمكن الاطلاع على التقارير التفصيلية حول إصلاح المنظومة السجنية الأمريكية عبر موقع معهد فيرا للعدالة الذي يُعد مرجعاً رئيسياً في مجال البحث والدراسات حول أنظمة الاحتجاز وحقوق السجناء في الولايات المتحدة.
بنية تحتية متهالكة وعنف متفشي
وتكشف المعطيات عن واقع مأساوي داخل سجن رايكرز، حيث تعاني مرافقه من أعطاب متكررة تشمل الأبواب والنوافذ المكسورة، واضطرابات التدفئة والتبريد، وتسرب المياه والفيضانات داخل بعض المباني. وأكدت لورين ستوسيل، التي سبق أن عملت طبيبة نفسية داخل السجن، أن البنية التحتية للمجمع توجد في “حالة مزرية”، مشيرة إلى انتشار العنف وارتفاع عدد المحتجزين واستمرار صعوبات التدبير المرتبطة بنقص الموارد البشرية.
وتستند المطالب بإغلاق المجمع إلى اعتبارات إنسانية ومالية، في ظل ارتفاع كلفة تشغيل المنظومة السجنية بمدينة نيويورك التي تقارب ثلاثة مليارات دولار سنوياً. وبحسب معهد “فيرا للعدالة”، سُجلت ثماني وأربعون حالة وفاة مرتبطة بالاحتجاز في المؤسسات السجنية بالمدينة خلال الفترة الممتدة من سنة ألفين واثنين وعشرين إلى سنة ألفين وخمسة وعشرين، وهي حصيلة صادمة تُبرز حجم المخاطر التي يواجهها السجناء يومياً.
إدارة جديدة تبحث عن حلول جذرية
أعاد العمدة الديمقراطي زهران ممداني، الذي تولى رئاسة بلدية نيويورك مطلع سنة ألفين وستة وعشرين، ملف إغلاق سجن رايكرز إلى قائمة أولويات إدارته. وشملت الإجراءات الأولية تعيين سجين سابق على رأس الإدارة المكلفة بالمؤسسات السجنية، ونقل نحو مائة سرير مخصص للمحتجزين المرضى إلى مستشفى في مانهاتن، في إطار السعي إلى تحسين ظروف الرعاية الطبية. وأكدت دانا كابلان، المسؤولة عن متابعة هذا الملف، أن الإدارة الحالية مصممة على المضي في إغلاق السجن بأسرع وقت ممكن.
وتستلهم المرافق البديلة المرتقبة جوانب من النموذج الإسكندنافي في إدارة السجون، الذي يمنح أهمية أكبر لظروف الإقامة والخدمات الصحية وبرامج إعادة التأهيل. غير أن المسؤولين والفاعلين الحقوقيين يشددون على ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة قبل الانتهاء من بناء المؤسسات الجديدة، في مقدمتها إصلاح مئات أبواب الزنازين وتوفير شروط أفضل لسلامة النزلاء والموظفين.
ويُشكل الأشخاص الموجودون رهن الاعتقال في انتظار المحاكمة غالبية نزلاء سجن رايكرز، وهو ما يجعل مدة الإجراءات القضائية وظروف الاحتجاز السابق لصدور الأحكام من أبرز القضايا المطروحة في النقاش حول إصلاح المنظومة السجنية. ويشير المدافعون عن الإصلاح إلى أن نحو عشرين بالمائة من المحتجزين يعانون من أمراض نفسية خطيرة، مما يستدعي مقاربات علاجية متخصصة بدلاً من الاحتجاز في مرافق غير مؤهلة.
ويبقى الرهان الحقيقي في مدى قدرة إدارة نيويورك على تقليص عدد المحتجزين وتحسين شروط الرعاية داخل سجن رايكرز بالتزامن مع استكمال بناء المؤسسات البديلة. كما يبقى السؤال مطروحاً حول انعكاسات هذا الملف على الصورة الدولية للمدينة، وهل ستُشكل التجربة الحالية نموذجاً يُحتذى به في إصلاح المنظومات السجنية حول العالم.
وتُمثل هذه الأزمة اختباراً حقيقياً لالتزام نيويورك بقيم العدالة وحقوق الإنسان. ولمتابعة آخر المستجدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والإصلاحات المؤسسية، يمكن زيارة قسم الأخبار الدولية في موقعنا للحصول على تغطيات شاملة ومعمقة لأبرز التطورات العالمية.









