alalamiyanews.com

أخبار العالماراء و تحليلاتالرئيسية

العشي يكتب: أسرار المشانق الرقمية.. حين تتحول الشاشات إلى محاكم تفتيش تنهش الأعراض والهويات

47 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

 

تحذير من فخ الانفلات الافتراضي.. كيف نغتال نسيجنا الوطني بضغطة زر؟

في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات أقرب إلى حياة الناس من جلسات الحوار المباشر، لم يعد الرأي يُقال بهدوء ثم يُترك ليتفاعل، بل يُكتب في لحظة، ويُحاكم في لحظة أخرى، وقد يتحول في كثير من الأحيان إلى حكمٍ كامل على أشخاص لا على أفعال فقط.

بين ضغط زر الإرسال وسرعة الانتشار، تضيع أحيانًا المسافة بين النقد والتجريح، وبين التعبير والانفعال، حتى تبدو الكلمة أحيانًا أقوى من الفعل، وأسرع من الحقيقة، وأبقى أثرًا من سياقها.

في هذا الإيقاع الرقمي المتسارع، لم تعد الأفكار تُناقش داخل حدودها الطبيعية، بل تُقتطع من سياقها، وتُعاد صياغتها عبر ردود فعل سريعة تتشكل تحت ضغط العاطفة أو الانطباع الأول.

وهنا تبدأ النقلة الخفية، من مساحة للرأي إلى ساحة للحكم، ومن اختلاف في الفهم إلى تصنيف في الهوية. وهذا ما يمكن وصفه اليوم بوضوح بأنه أحد أخطر مظاهر “العنصرية الرقمية” في الفضاء المفتوح، حيث لا يُكتفى برفض الفعل، بل يُختزل الإنسان في خلفيته أو لهجته أو صورته، ويُحاكم على أساسها.

هذا التحول لم يعد نظريًا، بل أصبح ملموسًا في تفاصيل يومية تتكرر بصيغ مختلفة. وبرز بشكل أوضح في التفاعلات التي أعقبت حادثة فردية رافقت مناسبة وطنية عامة تسير في إطارها القانوني والمؤسسي الطبيعي، إلا أن ما دار في الفضاء الرقمي كشف جانبًا أكثر تعقيدًا: كيف يمكن للحظة واحدة أن تتحول إلى موجة أحكام تتجاوز الفعل نفسه، وتمتد إلى الأشخاص والنيات والانتماءات.

في مثل هذه اللحظات، لا يكون الخلل في اختلاف وجهات النظر، فهذا جزء طبيعي من أي مجتمع حي، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الاختلاف. فحين يتحول السؤال من “ماذا حدث؟” إلى “من هو؟”، تتغير طبيعة النقاش بالكامل، ويبدأ الانزلاق من النقد إلى الحكم، ومن الفهم إلى الاختزال، ومن الرأي إلى الإدانة. وهنا تحديدًا تتجلى خطورة العنصرية الرقمية؛ لأنها لا تكتفي بتشويه النقاش، بل تمس جوهر العلاقة بين الناس وتزرع مسافات غير مرئية بينهم.

ولعل أخطر ما في الفضاء الرقمي أنه يختصر المسافة بين الفكرة ورد الفعل إلى ثوانٍ معدودة. كلمة تُكتب بسرعة، لكنها قد تُقرأ خارج سياقها، وتُفهم بمعزل عن نيتها، ثم تُبنى عليها سلسلة من المواقف التي قد لا تعكس الحقيقة كاملة. وبين هذه الدائرة المتسارعة، تصبح الكلمة حدثًا مستقلًا بذاته، لا مجرد تعبير عابر، وقد تتحول حين تُستخدم بلا وعي إلى أداة إقصاء أو تصنيف أو حتى إساءة غير مقصودة.

ولفهم هذا النمط بشكل أوضح، لا نحتاج إلى الوقوف عند حدث واحد بعينه، بل إلى قراءة المشهد العام. ففي منشور بسيط عبر صفحة الإعلامي الأستاذ هاشم الخالدي، مؤسس وكالة سرايا الإخبارية، طُرح نقاش حول عمل فني للفنان عمر العبداللات بعنوان “وعلامكي وشلونكي” باللهجة الكركية، وهي لهجة تمثل جزءًا أصيلًا من تنوعنا الثقافي والاجتماعي. كان الطرح في جوهره مساحة للرأي الفني، غير أن بعض التفاعلات خرجت عن إطار العمل نفسه، لتتحول إلى تعليقات حادة لا تتوقف عند الفكرة، بل تمتد أحيانًا إلى الأشخاص.

هذا المثال، رغم بساطته، يكشف نمطًا متكررًا: حين يغيب الفصل بين الفكرة وصاحبها، ويختلط النقد بالانفعال، يصبح النقاش عرضة للتشوه التدريجي. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بصحة الرأي أو خطئه، بل بحدود التعبير ذاته، وبمدى قدرتنا على الحفاظ على إنسانيتنا ونحن نختلف.

إن هذا التداخل بين النقد والانفعال لا يهدد جودة الحوار فقط، بل يؤثر على طبيعة الوعي الجمعي. فالمجتمعات لا تُبنى فقط على القوانين، بل على الطريقة التي يفهم بها الأفراد بعضهم بعضًا، وعلى قدرتهم على التمييز بين الاختلاف والإساءة، وبين الرأي والحكم. والعنصرية الرقمية، في هذا السياق، ليست مجرد مصطلح، بل سلوك يتشكل تدريجيًا كلما غاب الوعي وحضرت الأحكام السريعة.

ومن زاوية أعمق، تعيدنا هذه الظاهرة إلى أصل أخلاقي وإنساني ثابت، يتمثل في قيمة التثبت قبل إصدار الأحكام. يقول الله تعالى:
{مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}  سورة ق، الآية 18
وهو تأكيد أن كل كلمة تُسجَّل وتُحاسَب، مهما بدت عابرة.

ويقول الله تعالى في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}
وهي دعوة واضحة إلى عدم بناء المواقف على الانطباع السريع، بل على التحقق قبل الحكم، وتأجيل رد الفعل حتى يكتمل الفهم. ولمنع تحول الانطباع إلى موقف نهائي قبل اكتمال الصورة. كما أن صون الكرامة الإنسانية ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو الحد الفاصل بين التعبير المسؤول والانزلاق غير المقصود إلى الإساءة.

وفي المقابل، تبقى المؤسسات الرسمية والقانونية هي الإطار الذي يضمن ضبط التوازن العام، حيث يُترك لكل مسار مجاله الطبيعي في التعامل مع القضايا وفق الأصول المتبعة. وفي هذا السياق، يبرز دور وحدة الجرائم الإلكترونية بوصفها خط دفاع متقدمًا في مواجهة التجاوزات الرقمية، من خلال متابعة المخالفات وضبطها ضمن إطار القانون، بما يحمي الأفراد ويصون الفضاء العام. ويستحق هذا الدور تقديرًا مؤسسيًا صريحًا، لما يمثله من توازن دقيق بين حماية حرية التعبير ومنع انزلاقها نحو الإضرار بالآخرين.

لكن، وبعيدًا عن كل الأطر الرسمية، يبقى التحدي الحقيقي مرتبطًا بالوعي الفردي. فالقوانين تنظم السلوك، لكن الوعي هو الذي يوجه ما نكتب قبل أن يُنشر. والمجتمعات لا تُختبر فقط في لحظات الاستقرار، بل في طريقة إدارتها لاختلافها، وفي قدرتها على تحويل التباين إلى مساحة فهم لا مساحة صدام.

الوطنية، في معناها العميق، ليست انفعالًا لحظيًا ولا رد فعل سريعًا، بل حالة وعي مستمرة تحافظ على توازن المجتمع في لحظات التوتر قبل لحظات الاتفاق. وهي لا تُقاس بحدة الصوت، بل بقدرة الإنسان على ضبط موقفه حين يشتد الجدل، وعلى التمييز بين الغضب والفهم، وبين الانطباع والحقيقة.

إن قوة المجتمعات لا تظهر في غياب الأخطاء، بل في طريقة التعامل معها دون أن تفقد اتزانها. فالأحداث تمر، وتخفت الموجات، لكن ما يبقى هو الأثر الذي تتركه الكلمات في الوعي الجمعي، وفي شكل العلاقة بين الناس.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: ماذا نكتب؟
بل: ما الذي نسمح أن يحدث بعد أن نكتب؟

وبين الفكرة ورد الفعل مساحة قصيرة، لكنها قادرة على تغيير الكثير… اسمها الوعي.

حمى الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وأدام وحدته عصية على الفتنة، ورايته خفاقة تجمع ولا تفرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق