أخبار العالمالرئيسيةصحة
تفعيل الهيئة العليا للصحة يدخل مراحله النهائية 2026
تفعيل الهيئة العليا للصحة أصبح وشيكاً بعد استكمال جميع المتطلبات القانونية الأساسية لهذه المؤسسة الصحية الجديدة، حيث تم نشر جميع النصوص التطبيقية للقانون القاضي بإحداث الهيئة في الجريدة الرسمية، بما في ذلك المرسوم الخاص بتعيين أعضاء مجلس إدارتها بداية يوليوز الجاري، مما يرفع آخر العوائق القانونية أمام دخولها حيز العمل الفعلي، في خطوة تُعتبر محطة فارقة في مسار إصلاح المنظومة الصحية الوطنية وتعزيز الحكامة في القطاع، حيث يراهن المهنيون والمواطنون على هذه الهيئة لتكون فاعلاً مركزياً في تأطير التأمين الصحي والتأثير على التعريفات الوطنية، والارتقاء بجودة الخدمات الصحية على التراب الوطني، بعد سنوات من الانتظار والترقب لانطلاق عمل هذه المؤسسة الحيوية التي من المفترض أن تحل محل الوكالة الوطنية للتأمين الصحي.
ويأتي هذا التطور في إطار تفعيل مقتضيات القانون رقم 07.22 المحدث للهيئة العليا للصحة، التي أوكل إليها المشرع مهام إبداء الرأي العلمي والتقني في السياسات الصحية، وتقييم أداء المنظومة الوطنية للصحة، واقتراح التوصيات الكفيلة بالارتقاء بجودة الخدمات الصحية، في سياق يعرف فيه القطاع الصحي المغربي تحولات عميقة تتطلب مؤسسات قوية ومستقلة قادرة على مواكبة هذه التحولات وضمان تقديم خدمات صحية بجودة عالية لجميع المواطنين.
اكتمال المتطلبات القانونية وبداية العمل الفعلي
ويُشكل نشر المرسوم الخاص بتعيين أعضاء مجلس إدارة الهيئة العليا للصحة في الجريدة الرسمية خطوة حاسمة في مسار تفعيل هذه المؤسسة، حيث أنه يرفع أحد آخر العوائق القانونية قبل توليها مهامها الفعلية، في خطوة جديدة نحو استكمال تنزيل ورش إصلاح المنظومة الصحية وتعزيز الحكامة الصحية على المستوى الوطني.
ويبقى انعقاد أول مجلس إدارة بمثابة الخطوة الحاسمة التالية، حيث سيسمح بتحديد برنامج العمل، والنظام الداخلي، والهيكل التنظيمي، والميزانية، والنظام الأساسي للموظفين، وتشكيلة اللجنة العلمية، في اجتماع يُنتظر أن يُعطي الانطلاقة الفعلية لعمل هذه المؤسسة التي ستكون لها أدوار محورية في المنظومة الصحية الوطنية.
تركيبة مجلس الإدارة والاختصاصات العلمية
وقد تم تعيين أعضاء مجلس الإدارة بموجب مرسوم وقعه رئيس الحكومة، ويتضمن 15 عضواً، خمسة نواب دائمين للرئيس وعشرة أعضاء مستشارين، تم تعيينهم لولاية مدتها 5 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، حيث كان وزير الصحة قد علل هذا التأخير خلال حديثه أمام البرلمان في متم 2025 بالرغبة في ضمان اختيار دقيق وصارم لهؤلاء الأعضاء.
وجدير بالتذكير أن الهيئة العليا للصحة كيان مستقل عن الوزارة، ومن المفترض أن تحل محل الوكالة الوطنية للتأمين الصحي (ANAM)، وقد تمت التوصية بالأعضاء من قبل لجنة تتكون من ممثلين عن وزارات الداخلية، الصحة، التعليم العالي، الدفاع، الأمانة العامة للحكومة، ورئيس الهيئة، ومن أبرز الأسماء المعينة في مناصب نواب الرئيس أطباء تخدير وإنعاش، وأساتذة جامعيون في تخصصات طبية وجراحية دقيقة، مما يعكس الطابع العلمي والتقني لهذه المؤسسة.
الملفات ذات الأولوية والتعريفة الوطنية المرجعية
ومن بين الملفات ذات الأولوية التي ستعالجها الهيئة العليا للصحة، مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية المنتظرة منذ سنوات عدة، وهو ملف متوقف منذ فترة طويلة، ورغم أن مدير الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) أعطى مؤخراً الضوء الأخضر لمراجعة التعريفات الأساسية لبعض الاستشارات، إلا أن توقيع الاتفاقية ينتظر التفعيل الرسمي للهيئة وقانون الهيئة الوطنية للأطباء الجديد.
إلى جانب ذلك، ستُكلف الهيئة بتقييم جودة الخدمات في المؤسسات الصحية وظروف رعاية المرضى، ومنح الاعتمادات للمؤسسات الصحية العامة والخاصة بناء على معايير وطنية، والتقييم الدوري للأدوية والمنتجات الصحية وممارسات المهنيين وشروط إصدار الوصفات الطبية، في مهام تُعزز من جودة الخدمات الصحية وتضمن حماية حقوق المرضى.

المهام المستقبلية وتتبع البيانات الوبائية
كما ستتولى الهيئة العليا للصحة، وفق ما ينص عليه قانونها، تتبع وتقييم البيانات الوبائية وبرامج مكافحة الأمراض، مع إنجاز البحوث والدراسات، وإعداد أدلة التكوين المستمر، إلى جانب الوساطة في تسوية النزاعات بين مهنيي الصحة، ثم التأطير التقني لنظام التأمين الإجباري عن المرض (AMO) ووضع الآليات الكفيلة بضبط هذا النظام، في مهام شاملة تجعل منها مؤسسة محورية في المنظومة الصحية الوطنية.
ويتعين على هذه المؤسسة الجديدة، التي يراهن عليها مهنيو القطاع لتأطير التأمين الصحي والتأثير على التعويضات، أن تنجح الآن في الانتقال الأكثر دقة: من مجرد إصلاح طال انتظاره إلى فاعل مركزي في المنظومة الصحية الوطنية، قادر على إحداث الفرق الحقيقي في حياة المواطنين وجودة الخدمات الصحية المقدمة لهم.
يُجسد تفعيل الهيئة العليا للصحة محطة تاريخية في مسار إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب، حيث أن استكمال التعيينات ونشر جميع النصوص التطبيقية يُعطي إشارة الانطلاق الفعلي لعمل هذه المؤسسة الحيوية، التي من المفترض أن تُحدث نقلة نوعية في مجال الحكامة الصحية وتأطير التأمين الصحي.
ويبقى الرهان الأكبر على قدرة الهيئة العليا للصحة على معالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها التعريفة الوطنية المرجعية، وعلى نجاحها في بناء علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين في القطاع الصحي، من مهنيين ومؤسسات عمومية وخاصة، في وقت يُنتظر فيه من هذه المؤسسة أن تكون صوتاً علمياً وتقنياً مستقلاً يُسهم في الارتقاء بالمنظومة الصحية الوطنية.
إن تفعيل الهيئة العليا للصحة ليس مجرد إجراء إداري، بل هو التزام وطني بتحسين جودة الخدمات الصحية وضمان حق المواطنين في الرعاية الصحية الجيدة، مما يستوجب من جميع الفاعلين التعاون البناء لإنجاح هذه التجربة الجديدة.










