في موعد سياسي واقتصادي حاسم، تتجه الأنظار إلى الجلسة العمومية المشتركة لمجلسي البرلمان المرتقبة بعد زوال الإثنين التاسع عشر من أكتوبر الجاري، حيث ستقدم رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري البرنامج الحكومي الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة. وتواجه حكومة المنصوري خمسة ملفات اقتصادية كبرى تضعها أمام اختبار حقيقي لكسب ثقة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين، في ظرفية تتسم بانتظارات اجتماعية متصاعدة وتحديات هيكلية تتطلب تدخلاً عاجلاً وفعالاً.
في محطة مفصلية ترسم ملامح المرحلة المقبلة. تستعد الحكومة الجديدة لتقديم برنامجها أمام البرلمان، وسط ترقب واسع للإجراءات المتعلقة بالقدرة الشرائية والتشغيل والاستثمار والتنمية الترابية والسيادة الاستراتيجية.
حكومة المنصوري تواجه تحدي القدرة الشرائية
تتصدر القدرة الشرائية قائمة الأولويات التي تنتظر تدخلاً عاجلاً من حكومة المنصوري، في ظل التوجه نحو إطلاق إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار ابتداء من سنة ألفين وسبعة وعشرين. وتلتزم التشكيلة الحكومية الجديدة بمواصلة تنزيل برامج الحماية الاجتماعية، مع التركيز على تعميم التغطية الصحية وضمان استدامة أنظمتها، والرفع من قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، وتأهيل المنظومتين العموميتين للصحة والتعليم.
ويرتقب أن يُشكل أثر هذه الإجراءات على الأوضاع المعيشية للأسر أحد أبرز المؤشرات التي ستُرافق تقييم الأداء الحكومي خلال الأشهر الأولى من الولاية. ويأتي تقديم البرنامج بعد أيام قليلة من تعيين أعضاء الحكومة الجديدة من طرف الملك محمد السادس، في وقت تتطلع فيه الأوساط الاقتصادية والاجتماعية إلى معرفة التدابير التي ستعتمدها السلطة التنفيذية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من ولايتها. ويمكن الاطلاع على المؤشرات الاقتصادية الرسمية والتوقعات المالية عبر الموقع الرسمي للمندوبية السامية للتخطيط الذي يوفر بيانات شاملة ومعمقة حول وضعية الاقتصاد الوطني.
حكومة المنصوري تراهن على التشغيل والاستثمار
ويُعد ملف تشغيل الشباب ثاني التحديات الكبرى التي تنتظر حكومة المنصوري، حيث تعتزم إطلاق برنامج وطني مندمج للفترة الممتدة من ألفين وسبعة وعشرين إلى ألفين وواحد وثلاثين. ويرتكز هذا البرنامج على التكوين والمواكبة المهنية وتسهيل الولوج إلى التمويل والضمان والأسواق، في محاولة لتجميع التدخلات العمومية ضمن سياسة أكثر تنسيقاً وفعالية، بعد أن أظهرت التجارب السابقة محدودية بعض البرامج القطاعية المتفرقة.
أما على مستوى الاستثمار الخاص، فتتجه السلطة التنفيذية نحو تعزيز آليات الدعم المنصوص عليها في ميثاق الاستثمار، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار لتيسير إنجاز المشاريع. ويرتبط هذا التوجه بالحاجة الملحة إلى توسيع قاعدة الاستثمار المنتج وتحسين فرص إحداث مناصب الشغل، مع تشجيع تطوير منظومات صناعية جديدة وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في تمويل المشاريع الاقتصادية.
وفي مجال الجهوية والتنمية الترابية، تواجه حكومة المنصوري تحدي إعادة هندسة اختصاصات الجهات وتعزيز التنسيق والتعاقد بينها وبين الدولة، إلى جانب التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري. ويُرتقب تسريع تنفيذ الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، باعتمادات مالية تقدر بنحو خمسة وعشرين مليار درهم، وهو ما يضع الحكومة أمام مسؤولية تحويل التصورات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
حكومة المنصوري تعزز السيادة الاستراتيجية
ويحضر تعزيز السيادة الاستراتيجية ضمن الملفات الكبرى التي ستشتغل عليها حكومة المنصوري، من خلال مواصلة مشاريع ضمان الأمن المائي وتسريع برنامج الطاقات المتجددة، إلى جانب تنزيل عرض المغرب للهيدروجين الأخضر والشروع التدريجي في تنفيذ خارطة طريق البنية التحتية للغاز. وتزداد أهمية هذه الأوراش بالنظر إلى التطورات التي تعرفها المبادلات التجارية للمملكة، حيث تشير المعطيات إلى بلوغ العجز التجاري مائتين واثنين وثمانين مليار درهم عند متم غشت ألفين وستة وعشرين.
وتعمل لجنة مشتركة شكلتها قيادات أحزاب الائتلاف الحكومي الرباعي على استكمال صياغة البرنامج، الذي يرتقب أن يستند إلى التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة ألفين وسبعة وعشرين، المصادق عليها خلال المجلس الوزاري المنعقد برئاسة الملك محمد السادس. ويرسم هذا الإطار المالي الحدود الأولية للتحرك الحكومي خلال المرحلة المقبلة، إذ تشير التوقعات إلى تسجيل نمو اقتصادي بنسبة أربعة فاصلة سبعة بالمائة مع نهاية السنة الجارية، واحتواء التضخم في حدود صفر فاصلة سبعة بالمائة.
وتتقاطع هذه الأولويات مع مضامين الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، خصوصاً ما يتعلق بالتنمية الترابية المندمجة وتوضيح الاختصاصات وتعزيز التعاقد بين الدولة والجهات، إلى جانب مواصلة أوراش الحماية الاجتماعية والأمن المائي والطاقي والغذائي. وتُعد الأشهر الأولى من ولاية التشكيلة الحكومية الجديدة حاسمة في تحديد وتيرة إطلاق هذه الأوراش، خاصة أن عدداً منها امتداد لبرامج قائمة، فيما يتوقف تقييم التقدم المحرز على وضوح الجدولة الزمنية وتعبئة التمويلات.
ويبقى الرهان الحقيقي في مدى قدرة حكومة المنصوري على ترجمة هذه الالتزامات إلى إنجازات ملموسة خلال الأشهر الأولى من ولايتها، وهل ستُسهم هذه الأولويات في استعادة الثقة بين المواطنين والمؤسسات التنفيذية. كما يبقى السؤال مطروحاً حول انعكاسات هذا البرنامج على التوازنات المالية للمملكة، وهل ستتمكن الحكومة من تحقيق المعادلة الصعبة بين الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية.
وتُمثل هذه المحطة البرلمانية اختباراً حقيقياً لأول تجربة حكومية نسائية في تاريخ المغرب الحديث. ولمتابعة آخر المستجدات السياسية والاقتصادية بالمغرب، يمكن زيارة قسم الاقتصاد في موقعنا للحصول على تغطيات شاملة ومعمقة لأبرز التطورات في المشهد الوطني.










