alalamiyanews.com

أخبار العالماراء و تحليلاتالرئيسية

«مصر بين التهديد “الوجودي” والتهديد “الحدودي”»

63 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث
بقلم: د. محمد المنشاوي
رغم أن هناك فرقاً شاسعاً بين “التهديد الحدودي” و”التهديد الوجودي”، إلا أن هناك علاقة ارتباطية بين الأمرين تجعل وقوع الأخير نتيجة حتمية للتفريط في مجابهة الأول، لاسيما في ظل وجود كيانٍ لدولة مارقة في الإقليم، لم يسلم جيرانها من عدوانها التوسعي المستمر..!!
فالتفريط في مجابهة التهديد الحدودي الذي يشكله هذا الكيان في مناطق قريبة من تخوم الدولة المصرية، خاصة في الشام وباب المندب والقرن الأفريقي وإثيوبيا، يشجع هؤلاء المتربصين على التحول إلى التهديد الوجودي، ونقل عدائهم إلى ضفاف النيل لا قدر الله..
لذلك كان من رشادة الدولة المصرية الحديثة تبنّي “استراتيجية الردع” التي وفرت أسباب نجاحها من قوة أبنائها وشعبها لحماية الوطن، انطلاقاً من حقيقة مفادها: “إن أردت أن تمنع الحرب فاستعد لها”..
لقد تكلمت المتحدثة الرسمية باسم جيش الكيان “كابتن إيلا” وبكل أريحية عن حربهم في لبنان وسوريا، مؤكدة أن جيش الاحتلال بدأ بالفعل تدريجياً، وبنظام الخطوة بخطوة، يتمترس على هذه الأراضي في البلدين لتهويدها..
وطبقاً لنظرية الأمن المصري التاريخية منذ عهد الفراعنة، مروراً بعصر محمد علي باشا، وصولاً إلى العصر الحديث حيث رشادة ويقظة القيادة السياسية، فإن الشام (سوريا ولبنان) هي العمق الاستراتيجي الأول والأهم للأمن القومي المصري من جهة الشمال، وأن أي تهديد أو سيطرة على هذه المناطق يعني انكشاف الأمن العسكري المصري، وأن سقوط هذه الجبهات يمنح العدو الإسرائيلي قواعد عسكرية، ومطارات، ومراكز تجسس واستطلاع أقرب، بما يزيد من قدرته على مجابهة الدولة المصرية والضغط عليها سياسياً وعسكرياً..
وتطبق مصر عبر العصور قاعدة مفادها أن تحارب التهديد في الشام أفضل من أن تحاربه على ضفاف النيل أو في سيناء، بما يعني نقل خط المواجهة والتهديد مباشرة إلى حدودك، وتجريدك من أي منطقة عازلة تمنحك فسحة في الوقت والمساحة للمناورة والتحرك..
فمجابهة التهديد الحدودي هو ما دفع بالدولة المصرية إلى إجراءات في الصومال بإرسال نحو 15 ألف جندي بعد تواجد الكيان الإسرائيلي رسمياً في إقليم بونتلاند الانفصالي شمال الصومال، في محاولة لخنق باب المندب وقناة السويس، ومحاولاته لتحريض إثيوبيا وتزويدها بمدفعية ومسيرات لحماية “سد الخراب” الإثيوبي، وإفشال محاولات إثيوبيا بدعم من الكيان للتحرش بإريتريا، واستمرار دعم قوات حميدتي في السودان، وسد ثغرة ليبيا لتزويدها بالسلاح، وبذل الجهد الدبلوماسي واللوجستي لوقف الحرب على إيران..
فسقوط هذه المناطق، سواء في الشام أو في أفريقيا، في يد المحتل يحول التهديد من تهديد حدودي يمكن احتواؤه إلى تهديد وجودي يطوق الدولة من اتجاهات متعددة، بما يستنزف موارد الدولة المصرية الاقتصادية والعسكرية نتيجة للجوء إلى حالة الاستنفار الدائم، لأن العدو في هذه الحالة سيمتلك عمقاً جغرافياً يمتد من المتوسط حتى حدود العراق…
غير أن هذا الكيان المارق يحاول الآن استخدام أذرعه في إثيوبيا والسودان وليبيا للضغط على مصر من كل الجبهات، فضلاً عن قطاع غزة.. وقد يكون الخيار أمام الدولة المصرية في طريقين: الأول هو الانكفاء والعزلة حفاظاً على الدولة، بما قد ينطوي على مخاطر أقوى على مصر ويصعب الأمور عليها، لأن إسرائيل وأمريكا لن تقبلا بوجود دولة مسلمة وسطية تتقدم وتتعاظم قوتها ويكون لها السيطرة في الشرق الأوسط، ولهذا تم إشعال المنطقة بالحرب مع إيران؛ والطريق الثاني هو تعامل الدولة المصرية بكل جدية مع تحديات التهديد الحدودي، وتعطيل العربدة الصهيونية في المناطق المؤثرة على الأمن القومي المصري، وإجهاض تقدمها، فالكيان يحاول بكل قوة إشغال مصر بأي نزاع داخلي وخارجي..
ولكنها رشادة القيادة السياسية المصرية في حسن تصريف الأمور، والنفع، والبلوغ العقلي، وإصابة وجه الحقيقة والسداد، والسير في الاتجاه الصحيح.. فإن هيأ الله لك أسباب الرشد، فقد هيأ لك أسباب الوصول إلى النجاح الدنيوي والأخروي..
ومن حسن الطالع، أن حبا الله مصر بقيادات سياسية وطنية “رشيدة”، جعلتهم يحوّلون معاركهم مع الأعداء والمتربصين بمصر وشعبها وترابها، من معارك للدفاع إلى معارك فرض الإرادة الوطنية، واحترام السيادة والأمن القومي، لدرجةٍ أجهضت خططهم وسيناريوهاتهم، وأربكت حسابات وأفكار القوة الأكبر الظالمة تجاه الفلسطينيين..
لقد أدرك أصحاب هذه الرشادة المصرية منذ اللحظة الأولى حقيقة: إما أن تكون تابعاً تُنفذ الأوامر من القطب الواحد، وتقف ضمن طابور التابعين الصامتين في المنطقة الذين تراوحوا بين فاقد للسيادة على أرضه، وآخر محتل أرضه، وآخر خاضع للابتزاز، وما أيسرها؛ وإما أن تفرض إرادتك بقوة، وتمارس حق سيادتك على أرضك، وتستقل بقرارك، وتحفظ أمنك وترابك، وما أصعبها..
وبالطبع، ما كان لهذا الرشاد القيادي المصري ليتحقق، وهذا الاصطفاف المجتمعي ليتعزز، إلا في ظل وجود قوة ردع عسكرية عظيمة تحمي الوطن وتؤكد استقلالية قراره؛ تلك القوة قد أفسدت نظرية الضربة الاستباقية للعدو الصهيوني، كعادته الذميمة مع الجيران الضعفاء، والتطاول والعدوان عليهم وقت ما يحلو له بمباركة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق

Subscribe to our Newsletter