أخبار العالمالرئيسيةمنوعات
إصلاحات جذرية في مدونة الأسرة تشدد التعدد وتعزز حقوق المرأة

يستعد المشهد القانوني المغربي ليشهد تحولاً جذرياً مع المراجعة الشاملة لمدونة الأسرة، التي تعد من أهم الإصلاحات التشريعية في تاريخ المملكة. وتتجاوز هذه التعديلات مجرد تحديث نصوص قانونية، لتمثل نقلة نوعية في فلسفة التعامل مع المؤسسة الأسرية، حيث تضع في صلب اهتماماتها حماية حقوق المرأة والطفل، مع الحفاظ على التوازن بين الثوابت الدينية والمتغيرات المجتمعية.
وتأتي هذه المراجعة في سياق مجتمعي يتسم بتطور الوعي الحقوقي وتغير الأدوار الاجتماعية، مما استلزم مراجعة شاملة للنصوص المنظمة للعلاقات الأسرية. وتمتد الإصلاحات لتشمل كافة مراحل الحياة الأسرية، بدءاً من عقد الزواج مروراً بالحياة الزوجية ووصولاً إلى الطلاق وما بعده، مع تركيز خاص على حماية الطرف الأضعف في العلاقة.
حماية المرأة من تعسفات التعدد
تشكل مسألة التعدد أحد أبرز المحاور التي تركز عليها الإصلاحات الجديدة، حيث تتجه النصوص المقترحة نحو تقييد هذا الحق بشكل كبير. فبدلاً من الاكتفاء بالإجراءات الشكلية الحالية، تقترح المراجعة الجديدة شروطاً موضوعية صارمة، تجعل من التعدد استثناءً وليس قاعدة.
ومن أهم المستجدات في هذا الباب، الاعتراف بحق الزوجة في تضمين عقد الزواج شرطاً يمنع زوجها من الزواج عليها، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في مفهوم العقد الزوجي من علاقة إذعان إلى شراكة متكافئة. كما تهدف هذه الضوابط إلى الحد من الممارسات التي تستغل التعدد للإضرار بالمرأة والأسرة.
الاعتراف القانوني بالعمل المنزلي
في خطوة تعد ثورية في السياق المغاربي، تقترح المراجعة الجديدة اعتبار الأعمال المنزلية التي تقوم بها الزوجة مساهمة فعلية في الذمة المالية المشتركة. وهذا الاعتراف يمثل نقلة نوعية في النظرة القانونية للعمل المنزلي، الذي كان مهمشاً لسنوات طويلة رغم قيمته الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة.
ويترتب على هذا الاعتراف آثار قانونية مهمة، خاصة عند الطلاق، حيث يحق للزوجة المطالبة بحصة من الأموال المكتسبة خلال فترة الزواج، بما يتناسب مع مساهمتها المباشرة وغير المباشرة. كما تعزز هذه المقتضيات من مكانة المرأة داخل الأسرة، وتجعل منها شريكاً حقيقياً وليس مجرد ربة منزل.
الحضانة مصلحة الطفل قبل كل اعتبار
تولي الإصلاحات المرتقبة اهتماماً خاصاً لمسألة الحضانة، حيث تضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبارات أخرى. ومن أبرز التغييرات المقترحة، عدم إسقاط حضانة الأم لمجرد زواجها بعد الطلاق، وهو ما كان معمولاً به في السابق.
وتستند هذه المراجعة إلى دراسات اجتماعية ونفسية تؤكد أن استقرار الطفل مع أمه، حتى لو تزوجت، أفضل له من فقدها. كما تشمل التعديلات مراجعة شاملة لنظام الزيارة والسفر بالمحضون، بما يضمن للطفل الحفاظ على علاقته بوالديه معاً.
النيابة المشتركة وتكافؤ المسؤوليات
تتجه المراجعة نحو إقرار مبدأ النيابة القانونية المشتركة بين الأبوين، مما يعني أن كلا منهما يملك صلاحية التصرف في شؤون الأبناء.
وترتب على هذه المقتضيات آثار عملية مهمة، حيث يمكن للأم اتخاذ قرارات مهمة متعلقة بتعليم وصحة أبنائها دون الحاجة إلى موافقة الأب في كل صغيرة وكبيرة. كما يحمي هذا النظام مصلحة الطفل في الحالات التي يكون فيها الأب متغيباً أو ممتنعاً عن المشاركة في المسؤوليات.
تحديث إجراءات الزواج والطلاق
تشمل الإصلاحات تحسينات مهمة في مجال توثيق عقود الزواج، حيث تهدف إلى مكافحة الزواج غير الموثق الذي يحرم الزوجة والأبناء من حقوقهم القانونية. وفي المقابل، تسهل التعديلات الإجراءات الخاصة بالمغاربة المقيمين بالخارج، الذين يواجهون صعوبات في إتمام معاملاتهم الأسرية.
أما في مجال الطلاق، فتقترح المراجعة إدخال آليات صلح ووساطة إلزامية قبل البت في الطلب، بهدف الحفاظ على كيان الأسرة قدر الإمكان. كما يتم تقليص الآجال الزمنية للبت في القضايا الأسرية، وتخفيف المعاناة النفسية للأطراف.
الحماية المالية للقاصرين
تولي المراجعة اهتماماً خاصاً بحماية أموال القاصرين، حيث تقترح آليات رقابية أكثر صرامة لمنع تبذيرها أو التصرف فيها بشكل غير قانوني. كما تفتح المجال أمام إمكانية الهبة والوصية للقاصرين في حالات محددة، بما يضمن الحفاظ على ثرواتهم.
الرقمنة تسهل المساطر القضائية
تتضمن الإصلاحات توسيع استخدام التكنولوجيا في الإجراءات القضائية، حيث يمكن التبليغ الإلكتروني وتقديم الطلبات عن بعد. وهذا التحديث يواكب التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة المغربية، ويسهل على المواطنين ولوج العدالة.










