«الأكتاجون » ولماذا بمصر يتربصون ؟

بقلم : د. محمد المنشاوى
التفريط أو التهاون في مجابهة التهديدات الحدودية والوجودية الذي تشكله دولة الكيان والقوى المساندة لها، وكذا المتواطئون معها في مناطق تخوم الدولة المصرية ، يشجع المتربصون على إستباحة الأمن القومي المصري والسعي لإسقاط الدولة المصرية التي لطالما استعصت عليهم على مدى العقود والقرون !!..
لهذا كان من رشادة الدولة المصرية الحديثة تبني « استراتيجية الردع» ووفرت لها أسباب النجاح من قُوت أبنائها وشعبها لحماية الوطن، انطلاقاً من حقيقة مفادها:”إن أردت أن تمنع الحرب فإستعد لها”، وما إقامة صرح “الأوكتاجون” المصري العملاق إلا من أركان هذا الإستعداد.
فكما قال الرئيس السيسي “لا سلام دائم ولا تطبيع شعبي إلا بإنهاء الإحتلال ووضع حدٍ للظلم والعدوان وإعادة الحقوق إلى أصحابها ” .
وتبين التقارير والدراسات الجيوسياسية الحديثة في الوقت الراهن أن الإختراقات التكنولوجية والسيبرانية قد وصلت إلى مرحلة تجعل أي دولة تغفل عن تأمين “عقلها المركزي” عُرضةً للإنهيار والسقوط فى لحظات وبدون طلقة واحدة !!.
فالسيناريوهات العسكرية الحديثة الآن تنطوي على نماذج لشل الدول وتفكيك جيوشها، بإفقادها قياداتها المركزية ومقارها السيادية الحيوية ومجالس أمنها القومي من خلال إستهداف قيادات الصف الأول السياسي والعسكري وتدمير مراكز الإتصال وشل حركة مراكز إتخاذ القرار في ساعات معدودة لتتفكك الدولة ومؤسساتها دون طلقة واحدة !!
ولأن الخوف من مصر لازال يطاردهم ، أصبحت هذه القوى العظمى وأعوانها الآن تُفضل ما يطلقون عليه في العلوم العسكرية الحديثة سيناريو “قطع الرأس” لإسقط الدول فى ساعات ، من خلال نظام حرب مرعب تتبناه هذه القوى مثل أمريكا وإسرائيل قائم على فكرة: بدلاً من شن حرب بجيش كاملٍ تخسر فيها مليارات الدولارات إضرب “رأس الأفعى”.. !!
ولهذا عمدت مصر إلى إقامة هذا العملاق المصري “الأوكتاجون” لتوجيه رسالة قوية أنها بهذا العقل تمتلك مراكز قيادة تبادلية وتخطيطا إستراتيجياً يجعل عقل الدولة حاضراً دائما ً يقظاً قادراً على إدارة معارك المستقبل .. ليشكل هذا الصرح المصرى فى عصر الحروب السيبرانية “الحصن الرقمي” من خلال شبكة إتصالات مغلقة معزولة تماماً عن العالم الخارجي ومدعومة بأنظمة حرب الكترونية قادرة على تعمية صواريخ العدو وإسقاط أقمار توجيهها وتضليل طائراته.
لكن لماذا يركز الغرب على مصر على مدار الزمان؟؟ ولماذا أطلقوا عليها رأس الأفعي سابقاً؟؟ ولماذا يطلقون عليها الآن في وثائقهم ومذكراتهم “الجائزة الكبري”؟؟؟.. السبب هو أن الخوف من مصر لايزال يطاردهم !! والتاريخ يحكي!! ..
فقد أطلق الغرب على مصر “رأس الأفعى” عندما هز مت الحملة البحرية الصليبية الرومية في سنة 565 هجرية بقيادة صلاح الدين ولدغتهم لدغة مميتة فى حطين وإستردت القدس وكل فلسطين من الغرب الصليبي، كما هزمت مصر الحملة الصليبية الخامسة سنة 618 هجرية وهزمت ملك فرنسا لويس التاسع في حملته السابعة على مصر سنة 648 هجرية وأخذته أسيراً ذليلاً .
بل أن مصر هي التى لدغت الغرب بالقضاء على دولة (أنطاقية ) الصليبية بقيادة الظاهر بيبرس في رمضان سنة 666 هجرية التى كانت من أغنى الدول الصليبية ..وهي التى قضت على دولة (طرابلس) الصليبية سنة 688 هجرية بقيادة السلطان المملوكى (قلاوون) ولم يبق في يد الغرب إلا مملكة (عكا) ، وأزالت جذور الغرب من الشام .
ومصر أيضا هي التي فتحت المملكة الصليبية في قبرص بقيادة السلطان المملوكي (برسباى) سنة 829 هجرية وأسرت ملكها (جانوس) وأحضرته إلى القاهرة ذليلاً ..
ولا تتوقف مسيرة مصر في مجابهة الطغاة والمتنمرين والمتربصين والمعتدين بين الأمس واليوم ، ففي 30 يونيو أفسدت حلمهم في تحقيق “الجائزة الكبري” بتطواطؤ الجماعة الإرهابية وأفشلت خططهم في تهجير الفلسطينيين وتصفية قضيتهم وبددت حلم “الريفيرا” على ساحل غزة ، بل هي التي أفشلت خططهم بالزج بدول الخليج والمنطقة وتوريطهم في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي أشعلها رئيس وزراء دولة الكيان المُولع بإشعال الحروب.
فالخوف من مصر لا يزال يطاردهم منذ مئات السنين، وليس أدل على ذلك من وصفهم للجيش المصري في مذكراتهم بالصخرة التي تحول دون إسقاط دولته أو إقامة شرق أوسط جديد يسيطرون من خلاله على ثروات المنطقة وتكون الغلبة فيه لدولة الكيان المارقة وحكومتها المتطرفة التي تقتات على القتل والتدمير للشعوب الآمنة.. !!
وقد يتساءل المرء البسيط عن السبب الذي دفع بالجيش المصري إلى التخلي عن مقاراته التقليدية القديمة في قلب القاهرة ليبني مدينة عسكرية مرعبة محصنة فى قلب الصحراء ..؟؟ !!
والحقيقة إنه ليس مجرد مبني جديد بشكل هندسي مبهر وليست وجاهة معمارية ، لكن السر يكمن في “عقيدة البقاء” وفي مجابهة خطة عسكرية عالمية مرعبة تسمى “ضربات قطع الرأس” !!..
فقد كان الخيار أمام الدولة المصرية في أمرين:الأول الإنكفاء والعزلة حفاظاً علي الدولة بما قد ينطوي على مخاطر أقوي على مصر، لأن إسرائيل وأمريكا لن تقبلا بوجود دولة مسلمة وسطية تتقدم وتتعاظم قوتها ويكون لها السيطرة في الإقليم ، والثاني هو تعامل الدولة بكل جدية مع تحديات تهديدات التكنولوجيا الحديثة والإستعداد لكافة أشكال السيناريوهات..
لقد أدرك أصحاب الرشادة المصرية منذ اللحظة الأولى حقيقة:إما أن تكون تابعاً تُنفذ الأوامر من االقطب الواحد وتقف ضمن طابور التابعين الصامتين في الإقليم الذين تراوحوا بين فاقد للسيادة على أرضه وآخر مُحتل أرضه وآخر خاضع للإبتزاز ، وما أيسرها، وإما أن تفرض إرادتك بقوة وتمارس حق سيادتك على أرضك وتستقل بقرارك وتحفظ أمنك وترابك، وما أصعبها .
وبالطبع ما كان لهذا الرشاد القيادى المصرى ليتحقق وهذا الإصطفاف المجتمعى ليتعزز، إلا في ظل وجود قوة ردع عسكرية عفية تحمي الوطن وتؤكد إستقلالية قراره، تلك القوة قد أفسدت نظرية الضربة الإستباقية للعدو الصهيوني كعادته الذميمه مع الجيران الضعفاء والتطاول والعدوان عليهم وقت ما يحلو له بمباركة أمريكية عمياء .










