غزة بلا كهرباء منذ الحرب والبدائل المتاحة تعجز عن تلبية الاحتياجات
محاور المقال
غزة بلا كهرباء منذ الحرب تشكل واقعاً مأساوياً يتفاقم يوماً بعد يوم، حيث تغرق معظم الأحياء والمخيمات في ظلام دامس مع حلول المساء، في حين تضطر آلاف الأسر النازحة والمتضررة إلى الاعتماد الكلي على بطاريات صغيرة أو أنظمة طاقة شمسية بدائية لتوفير الحد الأدنى من الإنارة وشحن أجهزة الهاتف المحمول. لقد أدت العمليات العسكرية المكثفة إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية لقطاع الطاقة، مما أدى إلى توقف محطة التوليد الوحيدة عن العمل، وخروج معظم شبكات النقل والتوزيع عن الخدمة بشكل نهائي، لتتحول أزمة انقطاع التيار إلى واحدة من أخطر التداعيات التي تمس كل جانب من جوانب الوجود الإنساني في القطاع. والجدير بالذكر أن القطاع كان يعاني أصلاً من عجز مزمن في الطاقة قبل اندلاع الصراع، حيث لم تكن ساعات الوصل تتجاوز في أحسن الأحوال بين ثماني إلى اثنتي عشرة ساعة يومياً، نتيجة القيود المفروضة على إدخال الوقود ومحدودية الإنتاج المحلي. ومع تصاعد وتيرة الحرب، أوقفت سلطات الاحتلال تزويد القطاع بالكهرباء تماماً، فيما دمرت خطوط النقل ومحطات التحويل بفعل القصف المتواصل، لتقتصر أي إمدادات لاحقة على كميات محدودة جداً وخُصصت بشكل متقطع لبعض مرافق تحلية المياه الحيوية، في ظل حاجة القطاع الملحة لنحو خمسمائة ميغاواط، بينما لم يكن يتوفر سابقاً سوى مائتي ميغاواط فقط من مصادر متعددة.

انهيار البنية التحتية للطاقة وفشل البدائل الفردية في التعويض
في ظل هذا الانقطاع الشامل والممتد، أصبحت البطاريات الصغيرة والألواح الشمسية الوسيلة الوحيدة المتاحة لتوفير قدر ضئيل من الطاقة داخل المنازل، وذلك لتشغيل مصابيح الإنارة لساعات محدودة، أو تشغيل مراوح بدائية خلال موجات الحر الخانقة، وشحن الهواتف التي باتت شريان الحياة الأساسي للتواصل مع الأقارب وفرق الإغاثة الدولية. غير أن هذا الاعتماد القسري يواجه عقبات هائلة، أبرزها الارتفاع الجنوني في أسعار البطاريات والألواح الشمسية والوقود، ناهيك عن تضرر أعداد كبيرة من الأنظمة الشمسية الموجودة أصلاً بفعل القصف أو سوء الاستخدام. ولجأ جزء كبير من السكان إلى خدمات المولدات الكهربائية التجارية، إلا أن هذه المولدات تواجه بدورها صعوبات متزايدة ومستمرة بسبب النقص الحاد في الوقود، وارتفاع تكاليف التشغيل بشكل غير مسبوق، وشح قطع الغيار والزيوت المعدنية الأساسية للصيانة الدورية. وقد حذرت مؤسسات دولية متخصصة في بيان صادر مطلع شهر يونيو الماضي من أزمة ذات تداعيات كارثية في حال خروج هذه المولدات بالكامل من الخدمة، مشيرة إلى أن أصحابها يعملون في ظروف بالغة التعقيد تشمل صعوبة الحصول على الوقود، ودماراً واسعاً للبنية التحتية، وقيوداً مشددة على إدخال المعدات، واقتصاداً منهياراً تماماً أمام الاحتياجات الهائلة للسكان.
المخاطر المحدقة بالقطاع الصحي ومرافق المياه بسبب انقطاع التيار
ولم تقتصر آثار هذا الانقطاع الكارثي على المنازل فحسب، بل امتدت لتضرب القطاع الصحي في مقتل، حيث تعتمد المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية بصورة شبه كاملة على المولدات الكهربائية لتشغيل أقسامها الحيوية والحساسة، في ظل نقص حاد ومزمن في الوقود وقطع الغيار والزيوت المعدنية اللازمة للتشغيل المستمر. وتحذر المؤسسات الإنسانية والطبية بشكل متكرر من أن أي توقف مفاجئ لهذه المولدات يهدد حياة المرضى بشكل مباشر، ولاسيما في أقسام العناية المركزة، وحضانات الأطفال الخدج، وغرف العمليات الجراحية، ووحدات غسيل الكلى التي لا تحتمل أي انقطاع في التيار. وفي هذا السياق، دعت وزارة الصحة في القطاع إلى تدخل دولي عاجل للضغط من أجل السماح بإدخال قطع الغيار ومستلزمات صيانة المولدات بشكل فوري، مؤكدة أن هذه المولدات تعمل بأقصى طاقتها منذ أشهر طويلة، وأن استمرار عمل المستشفيات بات مرهونا بشكل كلي بتوفير مستلزمات صيانتها. وبالمثل، تواجه مرافق المياه والصرف الصحي ومحطات التحلية صعوبات جمة في التشغيل نتيجة غياب الكهرباء، الأمر الذي ينعكس سلباً على إنتاج المياه النظيفة ويزيد من المخاطر الصحية والبيئية الكارثية، حيث انخفض متوسط حصة الفرد اليومية من المياه إلى أقل من ستة لترات، مقارنة بنحو خمسة وثمانين لتراً قبل الحرب.

الشلل الاقتصادي الشامل وعقبات إعادة الإعمار في ظل القيود المفروضة
غزة بلا كهرباء منذ الحرب.. على الصعيد الاقتصادي والمعيشي، أدى غياب التيار الكهربائي بشكل شبه دائم إلى شل حركة آلاف الورش والمنشآت الصناعية الصغيرة، وإغلاق عدد كبير من المحال التجارية، فيما تعتمد المنشآت التي لا تزال تحاول العمل على مولدات تستهلك وقوداً مرتفع الكلفة يجعل منتجاتها غير قادرة على المنافسة في السوق. كما تواجه المخابز، ومصانع الأغذية، ومحال التبريد، والقطاع الزراعي تحديات تشغيلية وجودية، ما يفاقم معدلات البطالة والفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي، ويزيد من صعوبة إنتاج الخبز وتوفيره، خاصة في مراكز الإيواء ومناطق نزوح السكان. وبات انقطاع الطاقة جزءاً لا يتجزأ من أدق مظاهر الحياة اليومية، حيث يدرس الأطفال على ضوء البطاريات الضعيف، وتواجه العائلات أشهر الصيف في خيام تفتقر إلى أي وسائل تبريد، والشتاء دون وسائل تدفئة كهربائية. ويرى مختصون في قطاع الطاقة أن إعادة التيار لا تقتصر على إصلاح الأعطال السطحية، بل تتطلب إعادة بناء شبه كاملة للبنية التحتية، وهو ما تصطدم به سياسات المنع والقيود المشددة على إدخال مواد الإعمار، ليبقى الظلام عنواناً للحياة اليومية، حيث ينتظر أكثر من مليوني فلسطيني عودة الكهرباء التي غابت عن منازلهم ومؤسساتهم منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب.
للمزيد من الاخبار:










