“الغنى ، وبين مَنْ يملك ومَنْ ينتفع !!”..


بقلم / د . محمد المنشاوي
هناك نوعان من الغِنى ، غِنى الفائض (أو التراكمى) وغِنىُ الإستعفاف (مستعفف) ، الأول يطلب الزيادة دائماً حتى لو ثروته بالملايين فهو “مُحتاج” ، أما الصنف الثانى فليس إلى الزيادة يسعى ، ولهذا غير صحيح أن يصفه الناس بالمحتاج أو الذى به فاقه أو عوذ !!..
وترتيباً على ذلك ، هناك فرقُ بين مَنْ يملك وبين مَنْ يتمتع ، ودائماً ما يكون الصنف الأول من الأغنياء هو الذى يملك وقد لا يتمتع بما يملك ، إلا ما رحم ربى !! ، وهو الأمر الذى تشير إليه قصة ذلك السائق الذى ظن أنه يعمل عند سيده وفى خدمته لعقود وإكتشف أن سيده هو الذى كان يعمل فى خدمته ، ليملك السيد ويتمتع السائق !!..
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أغنى الناس على وجه الأرض ، ذلك الغنى الذى يُعطى صاحبه ويتصدق دون خشية من فاقة أو حاجة أو عوذ بل كان يدعو ربه دائماً كما ورد فى الحديث الشريف قائلاً : اللهم إجعل رزق أهل بيت محمد كِفافاً ” ، أى ما يكفيهم للعيش دون زيادة ويسد حاجتم فقط دون حاجة لأحد ، وهو غِنى الإستعفاف ، لأن الدنيا لا تساوى عند الله جناح بعوضة ، فنزع الله الدنيا من قلوب هذا الصنف من البشر ووضعها فى أيديهم فلم يشعروا بالنقص أو العوذ أو الحاجة ..
ويروى أنه كان هناك رجل أعمال مات وترك خلفه عدة ملايين من الدولارات وبعد فترة قصيرة تزوجت أرملته من سائقه ، الذى قال عبارة تحمل كل معانى الحكمة والمنطق والفلسفة والإقتصاد : كنت أظن أننى أعمل عند سيدى ، وإكتشفت بعد موته أن سيدى هو الذى كان يعمل عندى !!..
هذه العبارة ليست من قبيل “النكتة” بل هى صيحة يقظة أو “نوبة صحيان” لنا جميعاً ، إنطلاقاً من أن القضية ليست مَنْ يملك بل مَنْ ينتفع وليست مَنْ يجمع المال ليعيش عليه بل مَنْ يتمتع به !! ..
فالمال الذى يلامس يد صاحبه هو فى واقع الأمر قد يكون ملكاً لآخر حتى وإن لم يحمل إسم هذا الآخر فى حسابات البنوك وكشوفات العقارات والأراضى والأسهم والبورصات ، فالغِنى ليس أن تملك ما هو كثير وفائض بل أن تتعلم أن تستغنى عما هو زائد عن حاجتك !! ..
ونحن فى عالم اليوم ، نعيش على تقديس الزائد والفائض ونلهث وراء الزيادة ، وليس الإحتفاظ فقط بما هو ضرورى لنا فى الملبس والمأكل والمسكن والمشرب ووسائل التنقل والحركة والرفاهية والترف …
إن جُل ما يحتاجه المرء منا قد لا يتجاوز رُبع أو ثلث ما هو متاح لديه فعلاً ، ولتنظر إلى بيتك : فكم من غرفة مغلقة زائدة – عند الكثيرين – قد لا تدخلها سوى بين الحين والحين ، بل وكم من زاوية ورُكناً فى البيت لا تستخدمه وتفضل الجلوس فى واحدٍ فقط منها والبقية لا تقربها أو تجلس به أو تلمسه …
وأنظر إلى دولاب ملابسك فإن نحو ثمانين فى المائة من ملابسك معلقة فى شماعاتها تنتظر مناسبة لترتديها ، وقد لا تأتى تلك المناسبة لشهور أو أسابيع ..
لكن كم من يوم سهرنا وكم من ساعات من نهار قضينا وكم تحركنا وإنتقلنا وسافرنا وناقشنا وجادلنا سعياً لجمع مالٍ وعتادٍ زائد عن حاجتنا سيذهب فى النهاية لغيرنا ، نعم قد يرثه الإبن أو الإبنة أو الزوجه إن وُجدوا ، غير أن أياً منهم قد لا يحس كم بكينا كم تعبنا من أجل لقمة العيش هذه وكم تكبدنا عناءً ومشقة توفيرها ، والتاريخ يحكى !!..
قيل للخليفة الأموى العادل عمر إبن عبد العزيز أمير المؤمنين وهو على فراش الموت ، لماذا لم تترك لأولادك ما يعينهم على الحياة يا عمر ، قال: إن كانوا صالحين فسيتولاهم لله مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: “وهو يتولى الصالحين” ، وأن كانوا غير ذلك فلن أترك لهم ما يعينهم على معصية الله …
ودخل أحد التابعين العلماء الأكابر من أهل الله ويدعى مقاتل إبن محارب على الخليفة العباسى المنصور وقت توليه الإمارة ، فبادره الخليفة قائلاً :عِظنى يا محارب ؟ ، فقال: أأعظك بما سمعت أو بما رأيت يا أمير المؤمنين ؟؟..
قال له المنصور : بل بما رأيت .. قال: يا أمير المؤمنين إن هشام بن عبد الملك أمير المؤمنين الأموى كان لديه أربع زوجات وثمانية أولاد ومات وترك لهم آلاف الدينارات والضيعات والأملاك والأراضى ، وكان أمير المؤمنين الأموى أيضاً عمر بن عبد العزيز لديه نفس عدد الزوجات والأولاد ومات ولم يترك لهم سوى ثمانية عشر ديناراً فقط ، فكفنوه وجهزوه بأربعة دنانير ، وإشتروا له قبراً بأربعة ووزع الباقى على زوجاته وأولاده، والله يا أمير المؤمنين لقد شاهدت فى يوم واحد أحد أولاد عمر بن عبد العزيز يجهز جيش المسلمين بمائة من الفرسان ، وشاهدت فى نفس اليوم أحد أولاد هشام بن عبد الملك وهو يتسول فى الأسواق !!!!! وتلى قوله تعالى:”وليخشى الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديداً” (النساء) …
فالحياة الحقيقية تكمن فى هذا القدر القليل من الضروريات فى حياتنا فى الملبس والمأكل والمشرب والمسكن وهو ما يجب أن نحافظ عليه دون إفراط أو فوائض قد تُثقِل كاهلنا وتُثقل ميزان حسابنا وترهق أنفسنا وتشغل بالنا وتصرفنا عن الإهتمام بعبادتنا وإصلاح عوائلنا وصحتنا وحب وطننا ، فحساب مَنْ يمُت وفى جيبة جنيهاً أيسر من حساب من يمُت وفى جيبه ألفاً !! ..









