لا تتحقق سيادة الدول بما تملكه من إحتياطيات دولارية ، بقدر ما تتحلى قيادتها السياسية وصُناع القرار بها من “رشادة رد الفعل” حيال ما يجري حولها والعالم ، مع الحرص على توفير آليات القوة العسكرية الذاتية لحماية قرارها دون العويل والبكاء وإستجداء مساعدة الآخرين..
فالسيادة ببساطة تعني أن الدولة هى صاحبة القرار النهائي فى شئونها وعدم الخضوع لقوي خارجية أياً كان حجمها والتعويل عليها لحمايتها وهو ما حققته “أم الدنيا” بالرشادة خلال السنوات الأخيرة ، لتنتقل حالياً إلى ما يسمى بمرحلة “الإستقلال الإستراتيجي” الذى تفتقر إليه دون مبالغة جميع دول إقليم الشرق الأوسط بما فيها دولة الكيان الصهيونى..
لتصبح مصر بهذا “الإستقلال الإستراتيجى” سيدة قرارها فى تحديد خياراتها وقراراتها المصيرية دون أن تكون رهينة لضغوط أو إملاءات خارجية ، فإنفتحت بقوة (عسكرياً وإقتصادياً وتكنولوجياً) نحو الصين وروسيا وقد يمتد الأمر لكوريا الشمالية وغيرها ، إلي جانب تطلعها لرئاسة تجمع دول “البريكس” البالغ حجم تجارتها العالمية نحو 40 فى المائة ، ودون الدخول فى تحالفات و”مماحكات” مع قوي إقليمية قريبة أو بعيدة ، تُزيد من فاتورة إستنزافها وتؤدى بها إلى التوحل فى مصالح ذاتية لدول هذه التحالفات ، فلا أحد يخدم الآخر على حساب مصلحته الوطنية ، وما يفعله ترامب مع الخليج خير دليل ، والتاريخ يحكي..
فمخطىء مَنْ يظن أن التعلق بأستار القوي الكبري أوالدخول فى تحالفات مع غيرها سيحقق الحماية السيادية ، فمهما قدم “الثرى الضعيف” ذاتياً من كنوز دولارية إلى “القوي الطامع” ، لن يحصل سوي على ما تسمح به المصلحة الوطنية للأخير حتى وإن تعلق الأمر “بتقنيات سادية”..
فحتي “التقنيات السيادية” للدول لا تباع أبداً بالمال وهذا ما فعلته فرنسا مع الإمارات عندما أخرجتها من برنامج رافال F5 وفَعْلت تمويله بمفردها ، حيث كانت الإمارات قد عرضت ما يصل إلى 3.5 مليار يويرو مقابل حصة فى برنامج تحديث الرافال F5 التى تبلغ تكلفتها الإجمالية خمسة مليارات يورو ، علي أن تسمح لها بالوصول إلى “الصندوق الأسود” والملكية الفكرية المشتركة..
ورفضت فرنسا العرض الإماراتي السخى مفضلة حماية السيطرة السيادسة الكاملة على أنظمته الأكثر تقدماً !! فى إشارة واضحة إلى أن التكنولوجيا العسكرية من الطراز الأول تبقى خارج الحدود حتى مع أؤلئك الذين يظنون أنهم شركاء مقربين..
يأتي ذلك فى الوقت الذى أحدثت فيه الحرب الإيرانية وزراعها الحوثي شروخاً فى جدار “التماسك” الإقليمي العربي ، ظهرت واضحة فى بعض ردود فعل الدوائر الخليجية القريبة من صُناع القرار (المحسوبة أو المنسوبة) لدرجة أوصلتهم عصبيتهم إلى التبجح بالإصطفاف إلى جانب العدو الإسرائيلي والكُفر بالقومية العروبية ..
وتناثرت فى الأفق صورُ مشوشة تحاول تصوير مصر خارج معادلة “الفعل العربي” بإلقاء اللوم عليها فى كل نازلة ، واصفةً القاهرة بحسابات ضيقة تتجاهل حقيقة أن مصر القوية الرشيدة المتماسكة هى الركيزة التاريخية والمحورية لمنظومة الأمن القومي العربي..
وبدلاً من أن يلقى البعض اللوم على نفسه لأنه فتح أبوابه للوجود الخارجى بما جعله عُرضة للتهور والجنوح الإيراني ،ألقاه على مصر دون أن يعى رشادتها ، وإستغرب البعض سبب تركيز إيران لضرباتها على الشقيقة الأردن التى إتضح أن بها ما يتراوح بين 4 إلى 60 من القواعد والمواقع والتمركزات العسكرية والإستخباراتية الأمريكية طبقاً لإتفاقية الدفاع المشترك مع واشنطن عام 2021..
لقد إختلطت الأمور فى أذهان البعض داخل الإقليم على وقع الضربات الإيرانية المتناثرة لأهداف أمريكية داخل بلادهم حتى كشفوا عن مكنون دواخلهم بالتغني للمشروع الإسرائيلي التوسعي الشرق أوسطي الجديد حتى وإن شكل ذلك إنتحاراً لعروبتهم..
ليقع هؤلاء بذلك فى شِراك الأهداف الخبيثة التى تبناها المشعلون الإسرائيليون لهذه الحرب فى جر المنطقة إلى الحرب وإحداث فتنة يتآكل معها هذا “التماسك” العربي الذى لم يعرف “تضامناً” منذ حرب أكتوبر المجيدة عام 73 ..
ونسى هؤلاء الغاضبون أن ما آلت إليه هذه الأوضاع فى بلدانهم وما حل بهم ، ما هو إلا نتيجة لعدم الرشادة على المدى القصير والطويل وإيلاء الثقة للطامعٍين المُتنمرينٍ الذين لم يأتوا إلى هذه الحرب سوي لمصلحتهم ولحماية دولة الكيان التى زرعوها بين ظهرانينا لا للذود عنهم وحمايتهم وتحويل أراضيهم إلى “حضانات” للوجود الأجنبي ..
فالرشادة القيادية السياسية للدول دائماً ما تُجنب شعوبها البكاء والعويل على إنتهاك سيادة الأرض وصيانة العِرض ، واللجوء إلى توظيف ما تمتلكه الدول من قدرات ذاتية قد تكون عظيمة فى كثير من الأحيان دون الإرتكان على الآخرين الذين يقدمون مصالحهم الذاتية على مَنْ سواهم لا يشغلهم عن ذلك شاغل..
وما كان هذا الجهد المصري العظيم للحفاظ على أمن وسيادة الوطن المصري ليحدث أبداً على هذا النحو ، إذا كان القرار المصري وصانعه رهينة فى أيدى هؤلاء المتنمرين المتربصين فى أمريكا والغرب من خلال قواعد عسكرية أو تسهيلات تنقص بدورها من سيادة الأرض المصرية..
فدائماً ما تؤتي الرشادة المصرية ثمارها حتي وإن تأخر إدراك الآخرين لمغزاها ، إلى أن يستوعب المتربصون والغاضبون -على السواء- الأهداف والمرامي المباشرة وغير المباشرة التي تكمن ورائها !! ..