” ٢٣ يوليو ، وجرائم الإخوان”..(١-٢)..


بقلم/ د. محمد المنشاوي
رغم كونها واحدة من الثورات المهمة في تاريخ مصر الحديثة ، إلا أن أهم ما يميز ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ أنها أرست ثقافة وأبجديات دور الجيش المصرى على مر العصور في الحفاظ على تراب مصر وحماية مقدرات شعبها .. بل والحارس الأمين على ثرواته والزود عنه ضد كل من تسول له نفسه الإضرار بهذا الوطن والمتنمرين به في الداخل والخارج ، وما إقامة صرّح “الأوكتاجون” إلا أحد أهم أركان هذا الدور الحيوي ..
ليتأكد هذا المبدأ وتلك الثقافة الذهبية مرة أخرى ، وبصورة جلية وواضحة ، في دعم هذا الجيش الوطني لثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ، عندما إسترد هذا الجيش المُحب لشعبه ، الوطن من أيدي الجماعة الإخوانية الإرهابية التي حاولت إختطافه ..
فإذا كانت ثورة يوليو قد قامت للقضاء على الفساد والملكية وتغلغل نفوذ المحتل البريطاني في الشأن الداخلي للبلاد ، بما وصل الى حد حصار الإنجليز لقصر الملك في ٤ فبراير ١٩٤٢ لإجبار الملك على عودة وزارة النحاس باشا ، الأمر الذي بسببه فقد الملك شعبيته وأصبح غير مبالٍ لمصالح الشعب ، غارقًا في ملذاته وشهواته ، حتى انه قام بطلاق زوجته الملكة فريدة التى أحبها الشعب ..
وحققت الثورة القضاء على الإقطاع ، وأنزلت الملكيات الزراعية عن عرشها ، ومصرت التجارة والصناعة التى إستأثر بها الأجانب ، وإلغاء الطبقية بين الشعب المصرى ، وأصبح أبناء الفقراء قضاه وأساتذة جامعات وسفراء ووزراء وأطباء ومحامين ، وتغيرت البنية الإجتماعية للمجتمع المصري ، وقضت على معاملة العمالة المصرية كسلع تُباع وتشترى ويخضع ثمنها للمضاربة في سوق العمل …
إلا أنني أرى أن أهم ما حققته هذه الثورة على المدى البعيد والمستدام هو :
أولًا : التأكيد والتعريف بدور الجيش الوطني المصري في حراسة وصيانة حقوق الشعب والحفاظ على ترابه والزود عن حدوده ، وإستشعار نبض الشارع في كل نازله أو حدَث والتجاوب معه وعدم تركه للمتنمرين والمتربصين في الداخل والخارج ..
ثانيًا : أن هذا التناغم والتعاون بين الجيش والشعب قد كشف كذب وزيف وجرائم جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية ، وتحركاتها الخبيثة لإختطاف البلاد مع كل ثورة لهذا الشعب ضد الفساد …
تلك الجرائم الآثمة لتلك الجماعة لا تتوقف ولا يتغير نمطها مع كل وقت وحين ، ففي بداية ثورة يوليو ، زعم الإخوان مساندتهم للثورة التي قام بها الضباط الأحرار ، بل كانوا الهيئة المدنية الوحيدة التي كانت على علم بموعد قيام الثورة ، غير أن هذا التنظيم الإخوانى الخبيث ما لبث أن سعى لركوب الحدث وإملاء شروطه ، فإنكشف وجهه القبيح ، لتسعى تلك الجماعة لنشر الأكاذيب ضد عبد الناصر وزملائه ..
ولم ينسَ الشعب مؤامراتهم وتورطهم في عمليات إغتيال القاضي الخازندار ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي ومحاولة إغتيال النحاس باشا نفسه أكثر من مره ..
فعلى مدار ٧٣ عامًا وهو عمر ثورة يوليو ، عاشت الدولة المصرية صراعًا عنيفًا مع جماعة الإخوان المسلمين التي أرادت منذ تأسيسها بالتعاون مع الإحتلال البريطانى عام ١٩٢٨ أن تبسط نفوذها على القرار السياسي للدولة..
وحاولت الجماعة منذ السنوات الأولى للثورة إيهام الرأى العام الداخلي والإقليمي والدولي بأنها شاركت على نحوٍ مؤثر فى نجاح هذه الثورة ، إلا أنه سرعان من إنكشف زيف إدعائها بمحاولة اغتيال قائد هذه الثورة وزعيمها جمال عبد الناصر في حادثة المنشية..
ليتغير خطابها من إدعاء المشاركة فى الثورة ومباركتها ، إلى وصفها للثورة بأنها إنقلاب عسكرى أطاح بالحكم الشرعى للبلاد وهى مزاعم كشفت عن خداع الجماعة وتعمدها التضليل على حسب ما تتجه إليه بوصلة مصالحها ، وهو نفس ما إدعته على ثورة ٣٠ يونيو ..
وكالعادة حاولت هذه الجماعة إتهام عبد الناصر بمعاداة الإسلام ، عندما سعى للتصدي لهذا الفكر السياسي المتطرف الذي إنتهجته الجماعة ، وروجت لذلك على أنها حربٌ على الدين والدين منها براء ..
بل إتهمته بأنه عميل لأمريكا ، في محاولة لتشويه صورته ، وهي إتهامات ساذجة لا ترقى لمستوى العقل والمنطق والعمل الوطنى ، خاصة بعد أن رفض البنك الدولي الذى تسيطر عليه أمريكا مشروعه لتمويل بناء السد العالي …
وسرعان ما أدرك الشعب زيف هذه الإتهامات والأكاذيب ، وإلتف حول زعيمه الذى خاض معارك ضارية لترسيخ الإصلاح الداخلي من خلال تأميم قناة السويس وبناء السد العالى والإصلاح الزراعي وهي الإجراءات التي تحمل في طياتها إصلاحًا إجتماعياً وإقتصادياً لم يكن ليجرؤ عليه زعيم لا يحظى بإجماع الشعب …
إن وقائع التاريخ تثبت أن جماعة الإخوان كانت تعادى ثورة يوليو منذ يومها الاول دون أن تجهر بذلك ، بدليل أن عناصرها لم يشاركوا فيما جرى خلال الأيام الأولى ، وظلوا قابعين فى جحورهم حتى يتأكدوا من نجاحها أولًا ، وهذا دأبهم دائمًا مع كل ثورة شعبية ..
بل هو نفس ما فعله الإخوان مع الحراك الشعبي في ٢٥ يناير ٢٠١١ ، فقد ظلوا قابعين في الجحور حتى تأكدوا من نجاح الأمر ، فما أن تحقق ، خرجوا لإدعاء المشاركة وإختطاف الثورة وتوجيه الأمور نحو أجندتهم الخبيثة ..
وأخيرًا وبعد مرور نحو ١٣ عامًا على السقوط التاريخي لهذه الجماعة في ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ، تعيش جماعة الإخوان المسلمين حالة من التشرزم والتيه بين محاكمات داخلية وملاحقات إقليمية ودوليه .. (البقية فى الحلقة القادمة) ..










