مستوطنون يحرقون مسجدين في الضفة في تصعيد خطير يعكس تفاقم العنف
محاور المقال
مستوطنون يحرقون مسجدين في الضفة الغربية المحتلة في حادثة جديدة تدينها الأوساط الفلسطينية والدولية، حيث أضرم مجموعات من المستوطنين الإسرائيليين النار بشكل متعمد في مسجدين، أحدهما كان لا يزال قيد الإنشاء، مما يعكس تصعيداً خطيراً في وتيرة الاعتداءات على المقدسات. وقد أكد عبد العظيم وادي، رئيس بلدية قصرة الواقعة جنوب مدينة نابلس، أن النيران التهمت مدخل المسجد الجديد في المنطقة الجنوبية للبلدة، مما أدى إلى تآكل أحجاره وإلحاق أضرار جسيمة ببنائه. وأضاف في تصريح إعلامي أن الجناة لم يكتفوا بالإحراق، بل خطوا كتابات باللغة العبرية على جدران المبنى، حملت إحداها عبارة “انتقام”، في محاولة واضحة لترسيخ سياسة الإرهاب والترهيب. وفي حادثة منفصلة ومتزامنة، أفادت وزارة الأوقاف الفلسطينية بأن مجموعات مماثلة أقدمت على إحراق مسجد آخر وخط عبارات عنصرية على جدرانه في قرية كور القريبة من مدينة طولكرم. وأشارت الوزارة في بيانها إلى أن هذه الحوادث ليست معزولة، بل هي جزء من نمط متكرر، حيث وثقت تعرض ما لا يقل عن 12 مسجداً للانتهاك من قبل قوات الاحتلال والمستعمرين منذ بداية العام الحالي، مما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وحرمة دور العبادة، ويستدعي تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي لوقف هذا الاستهداف المنظم للهوية والذاكرة الفلسطينية.
الموقف الرسمي الإسرائيلي والعوائق الميدانية التي واجهت الأهالي
في المقابل، جاء رد الفعل الرسمي الإسرائيلي ليؤكد فتح تحقيق في إحدى الحادثتين، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي بياناً أفاد فيه بإرسال جنوده إلى أطراف بلدة قصرة عقب تلقي بلاغ عن اندلاع النيران في المسجد. وزعم البيان أن الجنود بحثوا عن مشتبه بهم فروا من المكان قبل وصولهم، وأنهم حددوا في الموقع معطيات تشير إلى أن الحريق كان متعمداً، بالإضافة إلى وجود الكتابات على الجدران. وأوضح الجيش أن عناصر من الشرطة، تحت حماية عسكرية، سيدخلون إلى المنطقة لجمع الإفادات والأدلة في إطار التحقيق. إلا أن هذه الرواية الرسمية اصطدمت بشهادات ميدانية متضادة، حيث أكد رئيس بلدية قصرة أن القوات الإسرائيلية، عند وصولها إلى محيط المسجد، أجبرت المواطنين على مغادرة المكان ومنعتهم بشكل قسري من مواصلة جهود إخماد النيران، مما سمح بامتداد الضرر. ويأتي هذا التصعيد في بلدة يبلغ عدد سكانها حوالي سبعة آلاف نسمة، وتعاني من حصار خانق، حيث لا يزال مدخلها الرئيسي مغلقاً منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، وهي محاطة بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية الرعوية من كل الجهات، مما يجعلها هدفاً سهلاً ومتكرراً لهذه الهجمات التي تهدف إلى تهجير السكان ومصادرة الأراضي تحت غطاء الفوضى الأمنية.
السياق الأوسع للعنف المتصاعد والمعطيات الإحصائية للضحايا منذ أكتوبر
مستوطنون يحرقون مسجدين في الضفة.. لا يمكن فصل هذه الحرائق المتعمدة عن السياق الأوسع للعنف المتفشي في الضفة الغربية، والذي شهد في اليومين الماضيين فقط مواجهات عنيفة ودموية بين مستوطنين وشبان فلسطينيين. وقد أسفرت اشتباكات حادة في قرية “تلّ” قرب نابلس عن سقوط ستة قتلى، أربعة منهم فلسطينيون واثنان من الإسرائيليين. وعلى إثر هذه الأحداث، داهم الجيش الإسرائيلي مدينة نابلس وبلدات عديدة في محيطها، معلناً اعتقال عدد من الفلسطينيين، وذلك بعد أن أعلن الجمعة عن استعداده لتنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق وصفها بـ “مكافحة الإرهاب” في أنحاء الضفة الغربية المحتلة. وفي إطار هذه العمليات، أكد الجيش في بيان منفصل أنه أخذ قياسات ومخططات لمنزلي منفذي عملية إطلاق النار قرب قرية تلّ، تمهيداً لهدمها، وهي ممارسة تندد بها منظمات حقوق الإنسان باعتبارها عقاباً جماعياً غير قانوني. وتشهد الضفة الغربية، التي تخضع للاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، تصاعداً غير مسبوق في أعمال العنف منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، حيث ازدادت هجمات المستوطنين على الفلسطينيين والممتلكات لتصبح شبه يومية، في ظل ما يصفه مراقبون بتغاضي متعمد أو حماية مباشرة من قبل القوات العسكرية، مما يخلق بيئة من الإفلات من العقاب تشجع على تكرار هذه الجرائم.

الأبعاد الديموغرافية والقانونية لاستمرار الاستيطان والعنف
مستوطنون يحرقون مسجدين في الضفة.. في الختام، تبرز هذه الأحداث الخطيرة التناقض الحاد بين الواقع الميداني في الضفة الغربية ومبادئ القانون الدولي. فباستثناء القدس الشرقية، يعيش نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، ويواجهون ضغوطاً متزايدة من قبل أكثر من 500 ألف إسرائيلي يقيمون في مستوطنات تعتبر غير قانونية بموجب القرارات الدولية والاتفاقيات المبرمة. وقد وثقت المصادر الحقوقية مقتل ما لا يقل عن 1097 فلسطينياً، بينهم عدد من المسلحين، برصاص جنود أو مستوطنين إسرائيليين منذ اندلاع حرب غزة، في حين تُظهر بيانات رسمية إسرائيلية مقتل ما لا يقل عن 48 إسرائيلياً من مدنيين وعسكريين، إما في هجمات نفّذها فلسطينيون أو خلال عمليات عسكرية إسرائيلية. إن استمرار هذه الدورة المفرغة من العنف، والتي يتصدر فيها المستوطنون المشهد عبر إحراق المساجد وتخريب الممتلكات، لا يهدد فقط الأمن اليومي للسكان الفلسطينيين، بل يقوض بشكل جذري أي احتمالات مستقبلية لحل سياسي أو استقرار إقليمي. إن حماية الأماكن المقدسة وضمان أمن المدنيين تظل مسؤولية مباشرة للقوة القائمة بالاحتلال، وغياب المحاسبة الفعالة يغذي فقط المزيد من الاحتقان والعنف الذي ينعكس سلباً على كافة أطراف الصراع.










