البئر السادسة تحسم مستقبل غاز كرسيف
تشهد منطقة كرسيف شرق المغرب تسارعاً ملحوظاً في عمليات الاستكشاف الغازي، حيث كثفت شركة بريدادور أويل آند غاز البريطانية استعداداتها لإطلاق عملية حفر حاسمة قد تُغير ملامح قطاع الطاقة في المملكة. ونقلت الشركة جهاز الحفر إلى موقع البئر الجديدة “MOU-6” تزامناً مع وصول معدات التحليل الجيولوجي، في اختبار حاسم يراهن على إثبات الجدوى التجارية للموارد المكتشفة.
في اختبار قد يُعيد رسم خريطة الطاقة المغربية. تستعد شركة بريطانية لحفر بئر سادسة في كرسيف بعمق 950 متراً، في محاولة حاسمة لإثبات إمكانية استغلال الغاز المكتشف تجارياً وتقليل اعتماد المغرب على الواردات.
عمق تسعمائة وخمسين متراً يحمل آمال الطاقة المغربية
وتستهدف البئر الجديدة في كرسيف طبقات جيولوجية على عمق يصل إلى نحو تسعمائة وخمسين متراً، مع اعتماد تصميم تقني معدل يرمي إلى تجاوز الصعوبات التي واجهتها الشركة خلال عمليات الحفر السابقة. وجاء هذا التحرك بعد خمس عمليات حفر أنجزتها بريدادور منذ سنة ألفين وواحد وعشرين، وأكدت وفق معطيات الشركة وجود الغاز، لكنها لم توفر حتى الآن أدلة كافية على إمكانية استخراجه بتدفقات وكميات تسمح باستغلاله تجارياً.
وتمتد رخصة كرسيف على مساحة تناهز سبعة آلاف ومائتين وتسعة وستين كيلومتراً مربعاً، تمتلك الشركة البريطانية حصة خمسة وسبعين في المائة منها، مقابل خمسة وعشرين في المائة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن. وتحمل البئر السادسة أهمية مضاعفة بالنسبة إلى مستقبل المشروع، بعدما انتقل الرهان من البحث عن مؤشرات الغاز إلى اختبار القدرة على تحويل الاكتشافات المسجلة إلى موارد قابلة للإنتاج والتسويق.
وجاءت هذه الخطوة بعد تأخر برنامج الحفر عن جدوله الزمني، إذ كان مقرراً إطلاق العملية في نهاية السنة الماضية، قبل أن تواجه الشركة قيوداً تقنية ومالية ولوجستية. وأرجعت بريدادور جانباً من التأخير إلى اضطرابات مرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط وحركة المعدات والتجهيزات، فيما تواجه الشركة في الوقت ذاته آجالاً تنظيمية مرتبطة باستمرار حقوقها في رخصة كرسيف.
ملياران وسبعمائة مليون متر مكعب في الميزان
واكتسى حسم نتائج “MOU-6” بالنظر إلى هذه التحديات أهمية بالغة في تحديد مستقبل استثمارات الشركة بالمنطقة، خصوصاً أن تقديرات تقنية مستقلة أعدها مكتب سكوربيون جيوساينس ليمتد تشير إلى أن نجاح الاختبارات قد يفتح المجال أمام استغلال نحو ملياري وسبعمائة مليون متر مكعب إضافية من الغاز. وتظل هذه التقديرات مع ذلك مرتبطة بما ستكشف عنه عمليات الحفر واختبارات التدفق اللاحقة.
وترسم بريدادور بالفعل سيناريو أولياً لتسويق الغاز المحتمل في السوق المغربية، يقوم على ضغطه ونقله بواسطة الشاحنات مباشرة إلى الوحدات الصناعية، بما يسمح بتجاوز الحاجة في المرحلة الأولى إلى إنشاء شبكة أنابيب خاصة. ويراهن هذا النموذج على تسريع تحقيق مداخيل من المشروع إذا أثبتت البئر الجديدة وجود تدفقات تجارية قابلة للاستمرار.
وعلى المدى الأبعد، تطرح الدراسات التقنية إمكانية ربط المشروع بأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي المار بالقرب من منطقة كرسيف، إذا أظهرت الموارد المتاحة وأحجام الإنتاج جدوى مثل هذا الاستثمار. ومن شأن هذا الخيار أن يرفع القدرة على تصريف الغاز المكتشف ويوسع نطاق تسويقه مقارنة بنموذج النقل البري الموجه أساساً إلى الصناعيين.
نقل بالشاحنات ثم ربط بالأنبوب المغاربي-الأوروبي
ووضعت البئر السادسة بذلك مشروع كرسيف أمام منعطف حاسم بعد خمس سنوات من عمليات الاستكشاف، إذ لم يعد التحدي مقتصراً على إثبات وجود الغاز تحت الأرض، بل بات مرتبطاً بإثبات إمكانية استخراجه بكميات وتكلفة تسمحان بتسويقه. ويكتسي هذا الرهان أهمية إضافية للمغرب في ظل مساعيه إلى تطوير موارده المحلية من الغاز وتنويع مصادر التزود بالطاقة وتقليص الارتهان للإمدادات الخارجية.
ويُشكل نجاح هذا المشروع potential تحولاً استراتيجياً في سياسة الطاقة المغربية، حيث سيساهم في تعزيز الأمن الطاقوي للمملكة وتقليل فاتورة الواردات، فضلاً عن خلق فرص شغل جديدة في منطقة كرسيف وتحفيز الاستثمارات الصناعية المرتبطة بقطاع الغاز.
لكن التحديات تبقى قائمة، خاصة أن التجارب السابقة أظهرت أن وجود الغاز لا يعني بالضرورة جدواه الاقتصادية، مما يجعل البئر السادسة بمثابة الاختبار الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كانت كرسيف ستتحول إلى قطب طاقي وازن أم ستبقى مجرد وعود استكشافية لم تتحول إلى واقع إنتاجي.
ويبقى الرهان الحقيقي في مدى قدرة التقنيات الحديثة والتصاميم المعدلة على تجاوز العقبات السابقة، وتحويل الاكتشافات الجيولوجية إلى موارد طاقوية قابلة للاستغلال التجاري، مما يفتح فصلاً جديداً في تاريخ الطاقة بالمغرب.
وتُمثل هذه المحطة الاستكشافية لحظة حاسمة في مسار تطوير الموارد الطاقوية الوطنية. ولمتابعة آخر المستجدات الاقتصادية، يمكن زيارة قسم الاقتصاد، أو الاطلاع على بيانات الإنتاج عبر الموقع الرسمي للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن للحصول على المعلومات الكاملة حول مشاريع الاستكشاف الطاقي.










