تخطي إلى المحتوى الرئيسي

alalamiyanews.com

الرئيسيةأخبار عاجلةاراء و تحليلات

الإمام الحُسينُ وقدسِية “الكلمة” !!..

74 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بقلم : د. محمد المنشاوي

توقفت طويلاً عند كلماتٍ من ذهب للإمام الحُسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في حواره مع الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان أمير المدينة في عهد يزيد بن معاوية بن أبي سفيان عندما ذهب إليه ليطلب منه مبايعة يزيد خلفاً لأبيه.
 وجاء توقفي عند هذه الكلمات التاريخية في وقتٍ يعِجُ فيه الخطاب الإعلامي والسياسي والديني والإجتماعي على المستويات المحلية والدولية، بسيل من الكذب والكلام والكلمات التي تفتقر إلى الموضوعية والأمانة ليتأكد لنا حقيقة مفادها “أنه عندما تُستباح الكلمة تتوحش الإنسانية”!! وهذا ما هو حاصل.
 نعم كلمات من ذهب ، فهي لسِبط رسول الله صلى الله عليه وسلم والوارث لمدينة العلم المحمدي وإبن مَنْ قال النبي في حقه “أنا مدينة العلم وعلي بابها” ، علي الكرار وارث النبي المختار وأبو الأئمة الأبرار الحاضر للغزوتين بدر وحنين الرامي بالرمحين الضارب بالسيفين زوج فاطمة البتول قرة عين طه الرسول.  
ففي شهر رجب سنة ستين هجرية،بُويع يزيد للخلافة بعد وفاة أبيه معاوية بن أبي سفيان ، فكان هَمُهُ الأكبر أن يحصل على بيعةِ تلك المجموعة النشطة المؤثرة من قادة الرأي فى مجتمع المدينة والتي رفضت من قبل مبايعة أبيه معاوية وكان على رأسها الإمام الحسين.
 فكتب يزيد إلى الوليد بن عُتبة حاكم المدينة أن يذهب إلى الحُسين ليقتنص منه “كلمة” البيعة بالخلافة الإسلامية ليزيد بن معاوية. فدار هذا الحوار التاريخي بين الوليد والحسين: –
قال الوليد مخاطبًا الحسين:« نحن لا نطلب إلا كلمة ، فلتقل:”بايعت” وإذهب بسلام إلى جموع الفقراء ، فلتقلها وإنصرف يا إبن رسول الله حقناً للدماء ، قلها فما أيسرها ما هي إلا كلمة».
رد الحسين (منتفضًا): «كبُرت كلمةً.. وهل البيعة إلا كلمة؟؟..ما دين المرء سوى كلمة ، ما شرف الرجل سوى كلمة» !!..
فرد مروان بن عبد الملك (بغلظة) وكان حاضراً لهذا اللقاء: قل الكلمة وإذهب عنا !!!..
 فجاء رد الحسين : أتعرف معنى الكلمة؟.. مفتاح الجنة في كلمة.. ودخول النار على كلمة..وقضاء الله هو الكلمة..الكلمة لو تعرف حُرمة زاد مذخور..الكلمة نور وبعض الكلمات قبور..بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري..الكلمة فرقانٌ بين نبي وبغي.. بالكلمة تنكشف الغمة..الكلمة نور ودليل تتبعها الأمة..عيسى ما كان سوى كلمة..أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين..فساروا يهدون العالم..الكلمة زلزلت الظالم..الكلمة حصن الحرية..الكلمة مسئولية..الرجل كلمة.. شرف الرجل هو الكلمة.. لا رد لدي لمن لا يعرف معنى الكلمة.
فقال الوليد للحسين:قد بايع كل الناس إلا أنت فبايعه !!..
فرد الحسين: ولو وضعوا بيدي الشمس !! ..
فقال مروان موجهًا كلامه للوليد: أُُقتله.. أقتله بقول الله تعالى.. إبحث عن آيه..أقتله بقول رسول الله فيمن خرج عن الإجماع.
فرد الحسين : أتقتلني يا ابن الزرقاء (نسبة إلى بني أمية) بِقََوْلَةَِ جدي فيمن نافق..أتزيف في كلمات رسول الله أمامي يا أحمق..أتقتلني يا شرَ الخلق..أتؤول في كلمات الله لتجعلها سوط عذاب تشرعه فوق إمرء صدق!!..
لقد وصفت تلك الكلمات التاريخية الذهبية للحسين على نحو دقيق معنى ومدلول وخطورة “الكلمة” ، ماذا تعني؟ كيف تكون؟ إلى أين تؤدي وإلى أين تؤول؟ كيف تشكل ذاك العالم ، كيف تُفرق بين العدل وبين الظالم ، كيف تقيم الحق وكيف يكون الإنسان الصارم.
فقد روى الطبراني عن حديث أسود بن أصرم المحاربي ، قال:قلت يا رسول الله أوصني ، قال : ألك لسان؟ قلت:وما لي أملك إن لم يكن لي لساني؟ قال: ألك يد؟ قلت:وما لي أملك إن لم يكن لي يدي؟ قال: لا تقل إلا بمعروف ولا تبسط يدك إلا بخير.
وفي حديث سليمان بن سحيم عن أمه قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:إن الرجل ليدنو من الجنة حتى يكون بينها وبينه ذراع حتى ينطق بكلمة فيتباعد عنها أبعد من صنعاء.
وعن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:ما ندمت على سكوتي مرة ، لكنى ندمت على الكلام مرارًا .
وكما قال الله تعالى:”يُثَبِت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة”(إبراهيم -27)  .
والقرآن ما هو إلا كلام الله وأن دعوة الرسل والأنبياء بكلمة، ودخولك الإسلام بكلمة وخروجك منه بكلمة والزواج بكلمة والطلاق كلمة والإعتذار كلمة والعفو كلمة والتسبيح كلمة والحمد كلمة والحياة كلمة وجرح مشاعر الناس كلمة.
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل:ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكُب الناس على وجوههم في النار يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم.
وروي عن الإمام علي بن أبى طالب رضي الله عنه:ضرب اللسان أشد من ضرب السِنان وسُنة اللئام قبح الكلام وصمت الجاهل ستره ورُبَ كلمة سلبت نعمه ورُبَ لغوٍ يجلب شرًا.
فليتدبر كل إنسان منا معنى ومدلول الكلمة. فيا كل قاض ومسئول وعالم ومُعلم وكاتب وأديب وإعلامي وحاكم وفنان ورجل دين ورجل قانون وشاعر ومؤلف ، لنستشعر أهمية وخطورة ما ننطق أو نكتب من كلمة ، “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم “.
علينا أن نسعى من أجل “الكلمة”، لنجعلها أسنّ من نِصال السيوف في خدمة صوت الحق الصادح، لنصنع بها أجيالاً شرفاء بدلاً من صِنف طوابير العملاء، ولندفع بها كل بلاء يأتي من قِبل الأعداء.
فللكلمة قدسية وقدسيتها مقياس تقدم الحضارة الإنسانية وتقدمها، فعندما تستباح “الكلمة” تتوحش الإنسانية وتنهار الدول والممالك وتعاني البشرية ، فأعظم قادة العالم نجحوا بالكلمة وسقطوا أيضا بالكلمة ، فالكلمة طوق نجاة لمن ينطقها إن أدرك قوتها وسلطانها وأحسن إستخدامها، وراعي حرمتها وقدسية مسئوليتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق

Subscribe to our Newsletter